واعلم أن هذه الآية مشكلة ، وذكروا في تأويلها وجوهًا الأول: أن الإلحاف هو الإلحاح والمعنى أنهم سألوا بتلطف ولم يلحوا ، وهو اختيار صاحب"الكشاف"وهو ضعيف ، لأن الله تعالى وصفهم بالتعفف عن السؤال قبل ذلك فقال: {يَحْسَبُهُمُ الجاهل أَغْنِيَاء مِنَ التعفف} وذلك ينافي صدور السؤال عنهم والثاني: وهو الذي خطر ببالي عند كتابة هذا الموضوع: أنه ليس المقصود من قوله {لاَ يسألون الناس إلحافًا} وصفهم بأنهم لا يسألون الناس إلحافًا ، وذلك لأنه تعالى وصفهم قبل ذلك بأنهم يتعففون عن السؤال ، وإذا علم أنهم لا يسألون ألبتة فقد علم أيضًا أنهم لا يسألون إلحافًا ، بل المراد التنبيه على سوء طريقة من يسأل الناس إلحافًا ، ومثاله إذا حضر عندك رجلان أحدهما عاقل وقور ثابت ، والآخر طياش مهذار سفيه ، فإذا أردت أن تمدح أحدهما وتعرض بذم الآخر قلت فلان رجل عاقل وقور قليل الكلام ، لا يخوض في الترهات ، ولا يشرع في السفاهات ، ولم يكن غرضك من قولك ، لا يخوض في الترهات والسفاهات وصفه بذلك ، لأن ما تقدم من الأوصاف الحسنة يغني عن ذلك ، بل غرضك التنبيه على مذمة الثاني وكذا هاهنا قوله {لاَ يسألون الناس إلحافًا} بعد قوله {يَحْسَبُهُمُ الجاهل أَغْنِيَاء مِنَ التعفف} الغرض منه التنبيه على من يسأل الناس إلحافًا وبيان مباينة أحد الجنسين عن الآخر في استيجاب المدح والتعظيم.
الوجه الثالث: أن السائل الملحف الملح هو الذي يستخرج المال بكثرة تلطفه ، فقوله {لاَ يسألون الناس} بالرفق والتلطف ، وإذا لم يوجد السؤال على هذا الوجه فبأن لا يوجد على وجه العنف أولى فإذا امتنع القسمان فقد امتنع حصول السؤال ، فعلى هذا يكون قوله {لاَ يسألون الناس إلحافًا} كالموجب لعدم صدور السؤال منهم أصلًا.