أما المضاربة فهي شركة فيها الغُنْم والغرم للاثنين معا ؛ فالمضارب لا يملك المال الذي بيده ، وإنما يتصرف فيه كوكيل عن صاحب رأس المال والكسب مهما قل أو كثُر ، يقسم بينهما بالنسبة المتفق عليها ، وعند الخسارة يتحمل صاحب المال الخسارة المالية ، ويتحمل العامل ضياع جهده وعمله ، ولا ضمان على المضارب (20) إلا إذا ثبت إهماله وتسببه في هلاك ما بيده.
ويمكن مناقشة هذا الدليل من خلال نقطتين:
الأولى: أن الشرع لا يمنع من تحديد الربح مقدمًا في عقد المضاربة.
الثانية: أن يضع الإنسان ماله في المصرف ، ويقصد بذلك الاستثمار.
مناقشة النقطة الأولى:
الشرع لا يمنع من تحديد الربح مقدمًا في عقد المضاربة: نص كثير من الفقهاء على عدم جواز المضاربة إذا تم تحديد أو اشتراط جزء معين من الربح ، بل وحكى ابن المنذر الإجماع على بطلان المضاربة إذا اشترط كل واحد منهما لنفسه أو أحدهما شيئا دون الآخر ، فقال:"أجمع كل من نحفظ عنه على إبطال القراض إذا جعل أحدهما أو كلاهما لنفسه دراهم معلومة". (21) وهذا الإجماع نجده في كلام الفقهاء كما يقول الإمامان مالك (22) والشافعي (23) .
النقطة الثانية:
أن يضع الإنسان ماله ويقصد الاستثمار: إن ما يحدث بين المصرف وصاحب المال تحت أي مسمى طالما أنه بفائدة محددة سلفا مقابل أجل محدد فهو ربا ؛ وذلك لأن:"علة التحريم منصبة على كونها زيادة محددة سلفا مقابل أجل محدد سواء كان أصل المعاملة قرضا أو دينا أو بيعا ؛ فمتى وجدت الزيادة المحددة مقابل الأجل المحدد ، فذلك هو الربا بصرف النظر عن أصل هذه المعاملة ولا تأثير لأمرين:"
(20) انظر: حقائق وشبهات حول ودائع البنوك وشهادات الاستثمار وصناديق التوفير بقلم الشيخ محمد عبد الله الخطيب وآخرين ص84 ، وانظر: في مجلة الاقتصاد الإسلامي مقال للشيخ محمد مصطفى شلبي عضو مجمع البحوث الإسلامية وأستاذ الشريعة المتفرغ بجامعة القاهرة العدد (101) ص38 ـ ربيع ثاني سنة 1410هـ/نوفمبر سنة 1989م.
(21) فقه السنة للشيخ سيد سابق جـ3 ، ص213.
(22) المدونة الكبرى للإمام مالك جـ12 ، ص86 ط البابي الحلبي قديمة بدون تاريخ براوية الإمام سحنون بن سعيد التنوخي عن الإمام عبد الرحمن بن القاسم عن الإمام مالك بن أنس رضى الله عنهم جميعا.
(23) المجموع شرح المهذب للشيرازي الإمام تقي الدين على بن عبد الكافي السبكي تكملة الشيخ محمد نجيب المطيعي جـ5 ، ص160 ، 161 مكتبة الإرشاد بجدة ، وانظر: كذلك فتح القدير جـ7 ، ص417 ففيه أن عقد المضاربة يفسد باشتراط دراهم مسماة لأحد المتعاقدين.