وَالْمَعْنَى الْآخَرِ مِنْ دَلَالَةِ الْخِطَابِ: قَوْله تَعَالَى: { مِنْ رِجَالِكُمْ } فَظَاهِرُ هَذَا اللَّفْظِ يَقْتَضِي الْإِحْرَازَ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: { وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ } يَعْنِي الْأَحْرَارَ ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى: { وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ } فَلَمْ يَدْخُلْ الْعَبِيدُ فِي قَوْله تَعَالَى مِنْكُمْ ؟ وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مِنْ شَرْطِ هَذِهِ الشَّهَادَةِ الْإِسْلَامَ وَالْحُرِّيَّةَ جَمِيعًا ، وَأَنَّ شَهَادَةَ الْعَبْدِ غَيْرُ جَائِزَةٍ ؛ لِأَنَّ أَوَامِرَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى الْوُجُوبِ وَقَدْ أَمَرَ بِاسْتِشْهَادِ الْأَحْرَارِ فَلَا يَجُوزُ غَيْرُهُمْ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْله تَعَالَى: { وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ } قَالَ: ( الْأَحْرَارُ ) .
فَإِنْ قِيلَ: إنَّ مَا ذَكَرْت إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعَبْدَ غَيْرُ دَاخِلٍ فِي الْآيَةِ وَلَا دَلَالَةَ فِيهَا عَلَى بُطْلَانِ شَهَادَتِهِ.
قِيلَ لَهُ: لَمَّا ثَبَتَ بِفَحْوَى خِطَابِ الْآيَةِ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا الْأَحْرَارُ.
وَكَانَ قَوْله تَعَالَى: { وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ } أَمْرًا مُقْتَضِيًا لِلْإِيجَابِ ، وَكَانَ بِمَنْزِلَةِ قَوْله تَعَالَى ( وَاسْتَشْهِدُوا رَجُلَيْنِ مِنْ الْأَحْرَارِ ) فَغَيْرُ جَائِزٍ لِأَحَدٍ إسْقَاطُ شَرْطِ الْحُرِّيَّةِ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ جَازَ ذَلِكَ لَجَازَ إسْقَاطُ الْعَدَدِ ؛ وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْآيَةَ قَدْ تَضَمَّنَتْ بُطْلَانَ شَهَادَةِ الْعَبِيدِ. أ هـ {أحكام القرآن للجصاص حـ 2 صـ 221 ـ 222}