فهرس الكتاب

الصفحة 4053 من 12199

قال القرطبى:

قوله تعالى: { فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وامرأتان } المعنى إن لم يأت الطالب برجلين فليأت برجل وامرأتين ؛ هذا قول الجمهور.

"فَرَجُلٌ"رفع بالابتداء ، { وامرأتان } عطف عليه والخبر محذوف.

أي فرجل وامرأتان يقومان مقامهما.

ويجوز النصب في غير القرآن ، أي فاستشهدوا رجلًا وامرأتين.

وحكى سيبويه: إنْ خنجرًا فخنجرًا.

وقال قوم: بل المعنى فإن لم يكن رجلان ، أي لم يوجدا فلا يجوز استشهاد المرأتين إلا مع عدم الرجال.

قال ابن عطية: وهذا ضعيف ، فلفظ الآية لا يعطيه ، بل الظاهر منه قول الجمهور ، أي إن لم يكن المستشهد رجلين ، أي إن أغفل ذلك صاحب الحق أو قصده لعذرٍ مّا فليستشهد رجلًا وامرأتين.

فجعل تعالى شهادة المرأتين مع الرجل جائزة مع وجود الرجلين في هذه الآية ، ولم يذكرها في غيرها ، فأجيزت في الأموال خاصة في قول الجمهور ، بشرط أن يكون معهما رجل.

وإنما كان ذلك في الأموال دون غيرها ؛ لأن الأموال كثر الله أسباب تَوْثيقها لكثرة جهات تحصيلها وعموم البلْوَى بها وتكررها ؛ فجعل فيها التَوثُّق تارة بالكتْبَة وتارة بالإشهاد وتارة بالرهن وتارة بالضمان ، وأدخل في جميع ذلك شهادة النساء مع الرجال.

ولا يتوهّم عاقل أن قوله تعالى { إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ } يشتمل على دَيْن المهر مع البُضْع ، وعلى الصلح على دم العمد ، فإن تلك الشهادة ليست شهادة على الدَّيْن ، بل هي شهادة على النكاح.

وأجاز العلماء شهادتهنّ منفردات فيما لا يطّلع عليه غيرهنّ للضرورة.

وعلى مثل ذلك أُجيزت شهادة الصبيان في الجراح فيما بينهم للضرورة.

وقد اختلف العلماء في شهادة الصبيان في الجراح. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 391}

قال ابن عاشور:

وجيء في الآية بكان الناقصة مع التمكّن من أن يقال فإن لم يكنْ رجلان لئلاّ يتوهم منه أنّ شهادة المرأتين لا تقبل إلاّ عند تعذّر الرجلين كما توهّمه قوم ، وهو خلاف قول الجمهور لأنّ مقصود الشارع التوسعة على المتعاملين.

وفيه مرمى آخر وهو تعويدهم بإدخال المرأة في شؤون الحياة إذ كانت في الجاهلية لا تشترك في هذه الشؤون ، فجعل الله المرأتين مقام الرجل الواحد وعلّل ذلك بقوله: { أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى } ، وهذه حيطة أخرى من تحريف الشهادة وهي خشية الاشتباه والنسيانِ لأنّ المرأة أضعف من الرجل بأصل الجبلّة بحسب الغالب ، والضلال هنا بمعنى النسيان. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 109}

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت