فهرس الكتاب

الصفحة 4135 من 12199

وأظهر ممّا قالوه عندي: أنّ هذه الآية تشريع مستقلّ يعم جميع الأحوال المتعلّقة بالديون: من إشهاد ، ورهنٍ ، ووفاءٍ بالدّين ، والمتعلّقةِ بالتبايع ، ولهذه النكتة أبهم المؤتمنون بكلمة { بعض } ليشمَل الائتمان من كلا الجانبين: الذي من قبل ربّ الدين ، والذي من قبل المدين.

فربّ الدين يأتمن المدين إذا لم ير حاجة إلى الإشهاد عليه ، ولم يطالبه بإعطاء الرهن في السفر ولا في الحضر.

والمدين يأتمن الدائنَ إذا سَلَّم له رهنًا أغلى ثمنًا بكثير من قيمة الدين المرتهَن فيه ، والغالب أنّ الرهان تكون أوْفَرَ قيمة من الديون التي أرهنت لأجلها ، فأمر كلّ جانب مؤتمننٍ أن يؤدّي أمانته ، فأداءُ المدين أمانته بدفع الدين ، دون مطل ، ولا جحود ، وأداء الدائن أمانته إذا أعطي رهنًا متجاوزَ القيمةِ على الدّين أن يردّ الرهن ولا يجحده غير مكترث بالدّين ؛ لأنّ الرهن أوفر منه ، ولا ينقص شيئًا من الرهن.

ولفظ الأمانة مستعمل في معنيين: معنى الصفة التي يتَّصف بها الأمين ، ومعنى الشيء المؤمَّن.

فيؤخذ من هذا التفسير إبطال غلَق الرهن: وهو أن يصير الشيء المرهون ملكًا لربّ الدّين ، إذا لم يدفع الدينَ عند الأجل ، قال النبي صلى الله عليه وسلم"لا يَغْلق الرهنُ"وقد كان غَلق الرهن من أعمال أهل الجاهلية ، قال زهير:

وفارقَتْكَ برَهْنٍ لا فَكَاكَ له

عند الوَداع فأمسى الرهن قد غَلِقا...

ومعنى { أمن بعضكم بعضًا } أن يقول كلا المتعاملين للآخر: لا حاجة لنا بالإشهاد ونحن يأمن بعضنا بعضًا ، وذلك كي لا ينتقض المقصد الذي أشرنا إليه فيما مضى من دفع مظنّة اتّهام أحد المتداينين الآخر.

وزيد في التحذير بقوله: { وليتق الله ربه } ، وذِكر اسم الجلالة فيه مع إمكان الاستغناء بقوله:"وليتّق ربّه"لإدخال الرّوع في ضمير السامع وتربية المهابة. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 123 ـ 125}

قال الآلوسى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت