فهرس الكتاب

الصفحة 4219 من 12199

والوجه الثاني: من النظم في هذه الآية أن للإنسان أيامًا ثلاثة: الأمس والبحث عنه يسمى بمعرفة المبدأ واليوم الحاضر ، والبحث عنه يسمى بعلم الوسط ، والغد والبحث عنه يسمى بعلم المعاد والقرآن مشتمل على رعاية هذه المراتب الثلاثة قال في آخر سورة هود {وَللَّهِ غَيْبُ السموات والأرض وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأمر كُلُّهُ } [ هود: 123 ] وذلك إشارة إلى معرفة المبدأ ولما كانت الكمالات الحقيقية ليست إلا العلم والقدرة ، لا جرم ذكرها في هذه الآية ، وقوله {وَللَّهِ غَيْبُ السموات والأرض} إشارة إلى كمال العلم ، وقوله {وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأمر كُلُّهُ} إشارة إلى كمال القدرة ، فهذا هو الإشارة إلى علم المبدأ ، وأما علم الوسط وهو علم ما يجب اليوم أن يشتغل به ، فله أيضًا مرتبتان: البداية والنهاية أما البداية فالاشتغال بالعبودية ، وأما النهاية فقطع النظر عن الأسباب ، وتفويض الأمور كلها إلى مسبب الأسباب ، وذلك هو المسمى بالتوكل ، فذكر هذين المقامين ، فقال: {فاعبده وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ} [ هود: 123 ] وأما علم المعاد فهو قوله {وَمَا رَبُّكَ بغافل عَمَّا يَعْمَلُونَ} [ الأنعام: 132 ] أي فيومك غدًا سيصل فيه نتائج أعمالك إليك ، فقد اشتملت هذه الآية على كمال ما يبحث عنه في هذه المراتب الثلاثة ، ونظيرها أيضًا قوله سبحانه وتعالى: {سبحان رَبّكَ رَبّ العزة عَمَّا يَصِفُونَ} [ الصافات: 180 ] وهو إشارة إلى علم المبدأ ، ثم قال: {وسلام على المرسلين} [ الصافات: 181 ] وهو إشارة إلى علم الوسط ، ثم قال: {والحمد للَّهِ رَبّ العالمين} [ الصافات: 182 ] وهو إشارة إلى علم المعاد على ما قال في صفة أهل الجنة {وآخر دعواهم أن الحمدلله رب العالمين} [ يونس: 100 ] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت