والقول الثالث: قال الأصم: المحكم هو الذي يكون دليله واضحًا لائحًا ، مثل ما أخبر الله تعالى به من إنشاء الخلق في قوله تعالى: {ثُمَّ خَلَقْنَا النطفة عَلَقَةً} [ المؤمنون: 14 ] وقوله {وَجَعَلْنَا مِنَ الماء كُلَّ شَىْء حَىّ} [ الأنبياء: 30 ] وقوله {وَأَنزَلَ مِنَ السماء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثمرات رِزْقًا لَّكُمْ} [ البقرة: 22 ] والمتشابه ما يحتاج في معرفته إلى التدبر والتأمل نحو الحكم بأنه تعالى يبعثهم بعد أن صاروا ترابًا ولو تأملوا لصار المتشابه عندهم محكمًا لأن من قدر على الإنشاء أو لا قدر على الإعادة ثانيًا.
واعلم أن كلام الأصم غير ملخص ، فإنه إن عنى بقوله: المحكم ما يكون دلائله واضحة أن المحكم هو الذي يكون دلالة لفظه على معناه متعينة راجحة ، والمتشابه ما لا يكون كذلك ، وهو إما المجمل المتساوي ، أو المؤول المرجوح ، فهذا هو الذي ذكرناه أولًا ، وإن عنى به أن المحكم هو الذي يعرف صحة معناه من غير دليل ، فيصير المحكم على قوله ما يعلم صحته بضرورة العقل ، والمتشابه ما يعلم صحته بدليل العقل ، وعلى هذا يصير جملة القرآن متشابهًا ، لأن قوله {فَخَلَقْنَا النطفة عَلَقَةً} أمر يحتاج في معرفة صحته إلى الدلائل العقلية ، وإن أهل الطبيعة يقولون: السبب في ذلك الطبائع والفصول ، أو تأثيرات الكواكب ، وتركيبات العناصر وامتزاجاتها ، فكما أن إثبات الحشر والنشر مفتقر إلى الدليل ، فكذلك إسناد هذه الحوادث إلى الله تعالى مفتقر إلى الدليل ، ولعلّ الأصم يقول: هذه الأشياء وإن كانت كلها مفتقرة إلى الدليل ، إلا أنها تنقسم إلى ما يكون الدليل فيه ظاهرًا بحيث تكون مقدماته قليلة مرتبة مبينة يؤمن الغلط معها إلا نادرًا ، ومنها ما يكون الدليل فيه خفيًا كثير المقدمات غير مرتبة فالقسم الأول: هو المحكم والثاني: هو المتشابه.