فهرس الكتاب

الصفحة 4511 من 12199

الوجه الخامس: وهو السبب الأقوى في هذا الباب أن القرآن كتاب مشتمل على دعوة الخواص والعوام بالكلية ، وطبائع العوام تنبو في أكثر الأمر عن إدراك الحقائق ، فمن سمع من العوام في أول الأمر إثبات موجود ليس بجسم ولا بمتحيز ولا مشار إليه ، ظن أن هذا عدم ونفي فوقع في التعطيل ، فكان الأصلح أن يخاطبوا بألفاظ دالة على بعض ما يناسب ما يتوهمونه ويتخيلونه ، ويكون ذلك مخلوطًا بما يدل على الحق الصريح ، فالقسم الأول وهو الذي يخاطبون به في أول الأمر يكون من باب المتشابهات ، والقسم الثاني وهو الذي يكشف لهم في آخر الأمر هو المحكمات ، فهذا ما حضرنا في هذا الباب والله أعلم بمراده. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 148 ـ 149}

وقال ابن الجوزى:

فإن قيل: فما فائدة إنزال المتشابه ، والمراد بالقرآن البيان والهدى ؟ فعنه أربعة أجوبة.

أحدها: أنه لما كان كلام العرب على ضربين.

أحدهما: الموجز الذي لا يخفى على سامعه ، ولا يحتمل غير ظاهره.

والثاني: المجاز ، والكنايات ، والإشارات ، والتلويحات ، وهذا الضرب الثاني هو المستحلى عند العرب ، والبديع في كلامهم ، أنزل الله تعالى القرآن على هذين الضربين ، ليتحقق عجزهم عن الإتيان بمثله ، فكأنه قال: عارضوه بأي الضربين شئتم ، ولو نزل كله محكمًا واضحًا ، لقالوا: هلا نزل بالضرب المستحسن عندنا.

ومتى وقع في الكلام إشارة أو كناية ، أو تعريض أو تشبيه ، كان أفصح وأغرب.

قال امرؤ القيس:

وما ذرفت عيناك إلا لنضر بي . . .

بسهميك في أعشار قلب مقتَّل

فجعل النظر بمنزلة السهم على جهة التشبيه ، فحلا هذا عند كل سامع ومنشد ، وزاد في بلاغته.

وقال امرؤ القيس أيضًا:

رمتني بسهم أصاب الفؤاد غداة الرحيل فلم أننصر . . .

وقال أيضًا:

فقلت له لما تمطى بصُلبه . . .

وأردف أعجازًا وناء بكلكل

فجعل لليل صلبًا وصدرًا على جهة التشبيه ، فحسن بذلك شعره.

وقال غيره:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت