إن الإنسان بل كل ما سوى الله تعالى لم يخلق مستعدًا لإدراك تفاصيل كلمات الله . فالخوض في ذلك خوض فيما لا يعنيه بل لا يسعه ولا ينفعه إلا العلم الإجمالي بأنه تعالى واحد في ملكه ، وملكه لا منازع له فيه ولا مضاد ولا مانع لقضائه ولا راد ، وأن الكل بقضائه وقدره ، وفي كل واحد من مصنوعاته ولكل شيء من أفعاله حكم ومصالح لا يحيط بذلك علمًا إلا موجده وخالقه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد . هذا هو الدين القويم والاعتقاد المستقيم ، والعدول عنه مراء ، والجدال فيه هراء . فمن نسبه إلى الجور في فعل من الأفعال فهو الجائر لا على غيره بل على نفسه إذ لا يعترف بجهله وقصوره ، ولكن ينسب ذلك إلى علام الخفيات والمطلع على الكليات والجزئيات من أزل الآزال إلى أبد الآباد . ومن زعم أن شيئًا من الأشياء خيرًا أو شرًا في اعتقاده حسنًا أو قبيحًا بحسب نظره خارج عن مشيئته وإرادته فقد كذب ابن أخت خالته ، لأنه يدعي التوحيد ثم يثبت قادرًا آخر أو خالقًا غير الله تعالى ، ولا خالق إلا هو. أ هـ {غرائب القرآن حـ 2 صـ 226}
قال القرطبى:
روى غالب القطان قال: أتيت الكوفة في تجارة فنزلت قريبًا من الأعمش فكنت أختلف إليه.
فلما كان ليلة أردت أن أنحدر إلى البصرة قام فتهجد من الليل فقرأ بهذه الآَية { شَهِدَ الله أَنَّهُ لاَ إله إِلاَّ هُوَ والملائكة وَأُوْلُواْ العلم قَآئِمًَا بالقسط لاَ إله إِلاَّ هُوَ العزيز الحكيم إِنَّ الدِّينَ عِندَ الله الإسلام } ، قال الأعمش: وأنا أشهد بما شهِد الله به ، وأستودع الله هذه الشهادة ، وهي لى ( عند الله ) وديعة ، وأن الدين عند الله الإسلام قالها مرارا فغدوت إليه وودّعته ثم قلت: إني سمعتك تقرأ هذه الآية فما بلغك فيها ؟ أنا عندك منذ سنة لم تحدثني به.
قال: والله لا حدثتك به سنة.
قال: فأقمت وكتبت على بابه ذلك اليوم ، فلما مضت السنة قلت: يا أبا محمد قد مضت السنة.
قال: حدّثني أبو وائل.