والثاني: أنه كان ذلك يأتيها لنبوة المسيح عليه السلام. أ هـ {النكت والعيون حـ 1 صـ 388}
قال الفخر:
احتج أصحابنا على صحة القول بكرامة الأولياء بهذه الآية ، ووجه الاستدلال أنه تعالى أخبر أن زكرياء كلما دخل عليها المحراب وجد عندها رزقًا قال يا مريم: أنى لك هذا ؟ قالت هو من عند الله ، فحصول ذلك الرزق عندها إما أن يكون خارقًا للعادة ، أو لا يكون ، فإن قلنا: إنه غير خارق للعادة فهو باطل من خمسة أوجه
الأول: أن على هذا التقدير لا يكون حصول ذلك الرزق عند مريم دليلًا على علو شأنها وشرف درجتها وامتيازها عن سائر الناس بتلك الخاصية ومعلوم أن المراد من الآية هذا المعنى
والثاني: أنه تعالى قال بعد هذه الآية {هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبّ هَبْ لِى مِن لَّدُنْكَ ذُرّيَّةً طَيّبَةً} والقرآن دل على أنه كان آيسًا من الولد بسبب شيخوخته وشيخوخة زوجته ، فلما رأى انخراق العادة في حق مريم طمع في حصول الولد فيستقيم قوله {هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ} أما لو كان الذي شاهده في حق مريم لم يكن خارقًا للعادة لم تكن مشاهدة ذلك سببًا لطمعه في انخراق العادة بحصول الولد من المرأة الشيخة العاقر
الثالث: أن التنكر في قوله {وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا} يدل على تعظيم حال ذلك الرزق ، كأنه قيل: رزقًا.
أي رزق غريب عجيب ، وذلك إنما يفيد الغرض اللائق لسياق هذه الآية لو كان خارقًا للعادة الرابع: هو أنه تعالى قال: {وجعلناها وابنها ءَايَةً للعالمين} [ الأنبياء: 91 ] ولولا أنه ظهر عليهما من الخوارق ، وإلا لم يصح ذلك.
فإن قيل: لم لا يجوز أن يقال: المراد من ذلك هو أن الله تعالى خلق لها ولدًا من غير ذكر ؟