الأول: أن زكريا عليه السلام دعا لها على الإجمال أن يوصل الله إليها رزقًا ، وأنه ربما كان غافلًا عن تفاصيل ما يأتيها من الأرزاق من عند الله تعالى ، فإذا رأى شيئًا بعينه في وقت معين قال لها {أنى لَكِ هذا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ الله} فعنذ ذلك يعلم أن الله تعالى أظهر بدعائه تلك المعجزة والثاني: يحتمل أن يكون زكريا يشاهد عند مريم رزقًا معتادًا إلا أنه كان يأتيها من السماء ، وكان زكريا يسألها عن ذلك حذرًا من أن يكون يأتيها من عند إنسان يبعثه إليها ، فقالت هو من عند الله لا من عند غيره.
المقام الثاني: أنا لا نسلم أنه كان قد ظهر على مريم شيء من خوارق العادات ، بل معنى الآية أن الله تعالى كان قد سبب لها رزقًا على أيدي المؤمنين الذين كانوا يرغبون في الإنفاق على الزاهدات العابدات ، فكان زكريا عليه السلام إذا رأى شيئًا من ذلك خاف أنه ربما أتاها ذلك الرزق من وجه لا ينبغي ، فكان يسألها عن كيفية الحال ، هذا مجموع ما قاله الجبائي في"تفسيره"وهو في غاية الضعف ، لأنه لو كان ذلك معجزًا لزكريا عليه السلام كان مأذونًا له من عند الله تعالى في طلب ذلك ، ومتى كان مأذونًا في ذلك الطلب كان عالمًا قطعًا بأن يحصل ، وإذا علم ذلك امتنع أن يطلب منها كيفية الحال ، ولم يبق أيضًا لقوله {هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ} فائدة ، وهذا هو الجواب بعينه عن الوجه الثاني.
وأما سؤاله الثالث ففي غاية الركاكة لأن هذا التقدير لا يبقى فيه وجه اختصاص لمريم بمثل هذه الواقعة ، وأيضًا فإن كان في قلبه احتمال أنه ربما أتاها هذا الرزق من الوجه الذي لا ينبغي فبمجرد إخبارها كيف يعقل زوال تلك التهمة فعلمنا سقوط هذه الأسئلة وبالله التوفيق.