وظاهره أنه كان يسأل كلما وجد عندها رزقًا ، لأن من الجائز في الفعل أن يكون هذا الثاني من جهة غير الجهة التي تقدّمت ، فتجيبه بأنه من عند الله ، وتحيله على مسبب الأسباب ، ومبرز الأشياء من العدم الصرف إلى الوجود المحض ، فعند ذلك يستريح قلب زكريا بكونه لم يسبقه أحد إلى تعهد مريم ، وبكونه يشهد مقامًا شريفًا ، واعتناءً لطيفًا بمن اختارها الله تعالى بأن جعلها في كفالته.
وهذا الخارق العظيم قيل: هو بدعوة زكريا لها بالرزق ، فيكون من خصائص زكريا وقيل: كان تأسيسًا لنبوّة ولدها عيسى.
وهذان القولان شبيهان بأقوال المعتزلة حيث ينفون وجود الخارق على غير النبي ، إلا إن كان ذلك في زمان نبي ، فيكون ذلك معجزة لذلك النبي.
والظاهر أنها كرامة خص الله بها مريم ، ولو كان خارقًا لأجل زكريا لم يسأل عنه زكريا ، وأما كون ذلك لأجل نبوة عيسى ، فهو كان لم يخلق بعد.
قال الزجاج: وهذا الخارق من الآية التي قال تعالى: { وجعلناها وابنها آية للعالمين } وقال الجبائي: يجوز أن يكون من معجزات زكريا ، دعا لها على الإجمال.
لأن يوصل لها رزقها ، وربما غفل عن تفاصيل ذلك ، فلما رأى شيئًا معينًا في وقت معين ، سأل عنه ، فعلم أنه معجزة ، فدعا به أو سأل عن ذلك خشية أن يكون الآتي به إنسانًا ، فأخبرته أنه { من عند الله } ويحتمل أن يكون على أيدي المؤمنين ، وسأل لئلا يكون على وجه لا ينبغي. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 461 ـ 462}
قال الماوردى:
{ قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ } فيه قولان:
أحدهما: أن الله تعالى كان يأتيها بالرزق.
والثاني: أن بعض الصالحين من عباده سخره الله تعالى لها لطفًا منه بها حتى يأتيها رزقها. والأول أشبه. أ هـ {النكت والعيون حـ 1 صـ 388}