ذكر من تكفل فما خلت الجملة عن تنبيه على قصته في الجملة ، وروي عن قتادة أن المقصود من هذه الجملة تعجيب الله سبحانه نبيه عليه الصلاة والسلام من شدة حرص القوم على كفالة مريم والقيام بأمرها ، وسيق ذلك تأكيدًا لاصطفائها عليها السلام ويبعد هذا الفصل بين المؤكد والمؤكد ، ومع هذا هو أولى مما قيل: إن المقصود منها التعجيب من تدافعهم لكفالتها لشدة الحال ومزيد الحاجة التي لحقتهم حتى وفق لها خير الكفلاء زكريا عليه السلام ، بل يكاد يكون هذا غير صحيح دراية ورواية ، وعلى كل تقدير لا يشكل نفي المشاهدة مع ظهور انتفائها عند كل أحد. أ هـ {روح المعانى حـ 3 صـ 158}
قال الطبرى في معنى الآية:
يعني جل ثناؤه بقوله ذلك: الأخبارَ التي أخبرَ بها عبادَه عن امرأة عمران وابنتها مريم ، وزكريا وابنه يحيى ، وسائر ما قصَّ في الآيات من قوله:"إن الله اصطفى آدم ونوحًا"، ثم جمعَ جميعَ ذلك تعالى ذكره بقوله:"ذلك"، فقال: هذه الأنباء من"أنباء الغيب"، أي: من أخبار الغيب.
ويعني ب"الغيب"، أنها من خفيّ أخبار القوم التي لم تطَّلع أنت ، يا محمد ، عليها ولا قومك ، ولم يعلمها إلا قليلٌ من أحبار أهل الكتابين ورهبانهم.
ثم أخبر تعالى ذكره نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم أنه أوحى ذلك إليه ، حجةً على نبوته ، وتحقيقًا لصدقه ، وقطعًا منه به عذرَ منكري رسالته من كفار أهل الكتابين ، الذين يعلمون أنّ محمدًا لم يصل إلى علم هذه الأنباء مع خفائها ، ولم يدرك معرفتها مع خُمولها عند أهلها ، إلا بإعلام الله ذلك إياه. إذ كان معلومًا عندهم أنّ محمدًا صلى الله عليه وسلم أميٌّ لا يكتب فيقرأ الكتب ، فيصل إلى علم ذلك من قِبَل الكتب ، ولا صاحبَ أهل الكتُب فيأخذ علمه من قِبَلهم.
وأما"الغيْب"فمصدر من قول القائل:"غاب فلان عن كذا فهو يَغيب عنه غيْبًا وَغيبةً".
وأما قوله:"نُوحيه إليك"، فإن تأويله: نُنَزِّله إليك.
وأصل"الإيحاء"، إلقاء الموحِي إلى الموحَى إليه.