فهرس الكتاب

الصفحة 5618 من 12199

وقوله تعالى: { وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا } أي: برفعي إياك إلى السماء { وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ } وهكذا وقع ؛ فإن المسيح ، عليه السلام ، لما رفعه الله إلى السماء تَفَرَّقت أصحابه شيَعًا بعده ؛ فمنهم من آمن بما بعثه الله به على أنه عبد الله ورسوله وابن أمته ، ومنهم من غلا فيه فجعله ابن الله ، وآخرون قالوا: هو الله. وآخرون قالوا: هو ثالث ثلاثة. وقد حكى الله مقالاتهم في القرآن ، ورَد على كل فريق ، فاستمروا كذلك قريبا من ثلاثمائة سنة ، ثم نَبَع لهم ملك من ملوك اليونان ، يقال له: قسطنطين ، فدخل في دين النصرانية ، قيل: حيلة ليفسده ، فإنه كان فيلسوفا ، وقيل: جهلا منه ، إلا أنه بَدل لهم دين المسيح وحرفه ، وزاد فيه ونقص منه ، ووضعت له القوانين والأمانة الكبيرة - التي هي الخيانة الحقيرة-وأحل في زمانه لحم الخنزير ، وصَلّوا له إلى المشرق وصوروا له الكنائس ، وزادوا في صيامهم عشرة أيام من أجل ذنب ارتكبه ، فيما يزعمون. وصار دين المسيح دين قسطنطين إلا أنه بنى لهم من الكنائس والمعابد والصوامع والديارت ما يزيد على اثنى عشر ألف معبد ، وبنى المدينة المنسوبة إليه ، واتبعه الطائفة المَلْكِيَّة منهم. وهم في هذا كله قاهرون لليهود ، أيَّدهم الله عليهم لأنهم أقرب إلى الحق منهم ، وإن كان الجميع كفار ، عليهم لعائن الله.

فلما بعث الله محمدًا صلى الله عليه وسلم ، فكان من آمن به يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله على الوجه الحق -كانوا هم أتباع كُل نبي على وجه الأرض- إذ قد صدقوا الرسول النبي الأمي ، خاتم الرسل ، وسيد ولد آدم ، الذي دعاهم إلى التصديق بجميع الحق ، فكانوا أولى بكل نبي من أمته ، الذين يزعمون أنهم على ملّته وطريقته ، مع ما قد حَرّفوا وبدلوا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت