قال الفخر:
أما القراءة بفتح الياء وضم الغين ، بمعنى: ما كان لنبي أن يخون ، فله تأويلان: الأول: أن يكون المراد أن النبوة والخيانة لا يجتمعان ، وذلك لأن الخيانة سبب للعار في الدنيا والنار في الآخرة ، فالنفس الراغبة فيها تكون في نهاية الدناءة ، والنبوة أعلى المناصب الانسانية فلا تليق إلا بالنفس التي تكون في غاية الجلالة والشرف ، والجمع بين الصفتين في النفس الواحدة ممتنع ، فثبت أن النبوة والخيانة لا تجتمعان ، فنظير هذه الآية قوله: {مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ} [ مريم: 35 ] يعني: الالهية واتخاذ الولد لا يجتمعان ، وقيل: اللام منقولة ، والتقدير: وما كان النبي ليغل ، كقوله: {مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ} أي ما كان الله ليتخذ ولدا.
الوجه الثاني: في تأويل هذه الآية على هذه القراءة أن يقال: إن القوم قد التمسوا منه أن يخصهم بحصة زائدة من الغنائم ، ولا شك أنه لو فعل ذلك لكان ذلك غلولا ، فأنزل الله تعالى هذه الآية مبالغة في النهي له عن ذلك ، ونظيره قوله: {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} [ الزمر: 65 ] وقوله: {وَلَوْ تَّقُولُ عَلَيْنَا بَعْضَ الأقاويل لأَخَذْنَا مِنْهُ باليمين} [ الحاقة: 44 ، 45 ] فقوله: {وَمَا كَانَ لِنَبِىّ أَنْ يَغُلَّ} أي ما كان يحل له ذلك ، واذا لم يحل له لم يفعله ، ونظيره قوله: {وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَّا يَكُونُ لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ بهذا} [ النور: 16 ] أي ما يحل لنا.
وإذا عرفت تأويل الآية على هذه القراءة فنقول: حجة هذه القراءة وجوه:
أحدها: أن أكثر الروايات في سبب نزول هذه الآية أنهم نسبوا الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الغلول ، فبين الله بهذه الآية أن هذه الخصلة لا تليق به.