قال الفخر:
اعلم أن كمال حال الإنسان في أمرين: في أن يعرف الحق لذاته ، والخير لأجل العمل به ، وبعبارة أخرى: للنفس الإنسانية قوتان ، نظرية وعملية ، والله تعالى أنزل الكتاب على محمد عليه السلام ليكون سببا لتكميل الخلق في هاتين القوتين ، فقوله: {يَتْلُو عَلَيْهِمْ ءاياته} إشارة إلى كونه مبلغا لذلك الوحي من عند الله إلى الخلق ، وقوله: {وَيُزَكّيهِمْ} اشارة إلى تكميل القوة النظرية بحصول المعارف الإلهية {والكتاب} إشارة إلى معرفة التأويل ، وبعبارة أخرى {الكتاب} إشارة إلى ظواهر الشريعة {والحكمة} إشارة إلى محاسن الشريعة وأسرارها وعللها ومنافعها ، ثم بين تعالى ما تتكمل به هذه النعمة.
وهو أنهم كانوا من قبل في ضلال مبين ، لأن النعمة إذا وردت بعد المحنة كان توقعها أعظم ، فإذا كان وجه النعمة العلم والاعلام ، ووردا عقيب الجهل والذهاب عن الدين ، كان أعظم ونظيره قوله: {وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فهدى} [ الضحى: 7 ] . أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 66}
قال ابن عاشور:
ووصف الضلال بالمبين لأنّه لشدّته لا يلتبس على أحد بشائبة هُدى ، أو شبهة ، فكان حاله مبيّناً كونَه ضلالاً كقوله: { وقالوا هذا سحر مبين } [ النمل: 13 ] .
والمراد به ضلال الشرك والجهالة والتقاتل وأحكام الجاهلية. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 278}
قال ابن عادل:
"لقد من الله"جوابٌ لقسم نحذوفٌ ، وقُرِئ: لَمِنْ مَنَّ الله - بـ"من"الجارة ، و"منِّ"- بالتشديد مجرورها- وخرَّجه الزمخشريُّ على وجهينِ:
أحدهما: أن يكون هذا الجارُّ خبراً مقدماً والمبتدأ محذوفٌ ، تقديره: لمن من الله على المؤمنين مَنُّهُ ، أو بعثه إذ بَعَثَ فيهم ، فحذف لقيامِ الدَّلالةِ.