واعلم أن حاصل هذا الجواب: أن لفظ الإخزاء لفظ مشترك بين التخجيل وبين الإهلاك ، واللفظ المشترك لا يمكن حمله في طرفي النفي والإثبات على معنييه جميعا ، وإذا كان كذلك جاز أن يكون المنفى بقوله: {يَوْم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه} غير المثبت في قوله: {إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النار فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ} وعلى هذا يسقط الاستدلال ، إلا أن هذا الجواب إنما يتمشى إذا كان لفظ الإخزاء مشتركا بين هذين المفهومين ، أما إذا كان لفظا متواطئا مفيدا لمعنى واحد ، وكان المعنيان اللذان ذكرهما الواحدي نوعين تحت جنس واحد ، سقط هذا الجواب لأن قوله: {لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه} لنفي الجنس وقوله: {فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ} لإثبات النوع ، وحينئذ يحصل بينهما منافاة. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 115 ـ 116}
وقال العلامة ابن عطية:
إنه خزي دون خزي وليس خزي من يخرج منها بفضيحة هادمة لقدره ، وإنما الخزي التام للكفار. أ هـ {المحرر الوجيز حـ 1 صـ 556}
وقال محمد بن أبى بكر الرازى:
فإن قيل: كيف قال: {ربنا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النار فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ} وقال في موضع آخر {يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه} ويلزم من هذا أن لا يدخل المؤمنين النار كما قالت المعتزلة والخارجية ؟
قلنا: {أخزيته} بمعنى أذللته وأهنته من الخزى وهو الذل والهوان ، وقوله {يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه} من الخزاية وهو النكال والفضيحة ، فكل من يدخل النار يذل ، وليس كل من يدخلها ينكل به ويفضح.
أو المراد بالآية الأولى إدخال الإقامة والخلود لا إدخال تحلة القسم المدلول عليها بقوله تعالى {وإن منكم إلا واردها} أراد إدخال التطهير الذى يكون لبعض المؤمنين بقدر ذنوبهم.
وقيل: إن قوله تعالى {يوم لا يخزي الله النبي} كلام تام ، وقوله تعالى {والذين آمنوا معه} كلام مبتدأ غير معطوف على ما قبله. أ هـ {تفسير الرازى صـ 72 ـ 73}
قال ابن عاشور:
وقولهم: { ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته } مسوق مساق التعليل لسؤال الوقاية من النار ، كما توذن به ( إنّ ) المستعملة لإرادة الاهتمام إذ لا مقام للتأكيد هنا.
والخزي مصدر خزِيَ يَخْزَى بمعنى ذلّ وهان بمرأى من الناس ، وأخزاه أذلّه على رؤوس الأشهاد ، ووجه تعليل طلب الوقاية من النار بأنّ دخولها خزي بعد الإشارة إلى موجب ذلك الطلب بقولهم: { عذاب النار } أنّ النار مع ما فيها من العذاب الأليم فيها قهر للمعذَّب وإهانة علنية ، وذلك معنى مستقرّ في نفوس الناس ، ومنه قول إبراهيم عليه السلام: { ولا تخزني يومَ يبعثون } [ بالشعراء: 87 ] وذلك لظهور وجه الربط بين الشرط والجزاء ، أي من يدخل النار فقد أخزيته.