ذهب إلى هذا جماعة من العلماء ، وهو قول الشيخ أبي الحسن الأشعرِي.
وذهب جماعة منهم سيف السنة ولِسان الأمة القاضي أبو بكر: إلى أن الله أنعم عليهم في الدنيا.
قالوا: وأصل النَّعمة من النعمة بفتح النون ، وهي لين العيش ؛ ومنه قوله تعالى: { وَنَعْمَةٍ كَانُواْ فِيهَا فَاكِهِينَ } [ الدخان: 27 ] .
يُقال: دقيق ناعم ، إذا بُولِغ في طحنهِ وأُجيد سحقه.
وهذا هو الصحيح ، والدليل عليه أن الله تعالى أوجب على الكفار أن يشكروه وعلى جميع المكلّفين فقال: { فاذكروا آلآءَ الله } [ الأعراف: 74 ] .
{ واشكروا للَّهِ } [ البقرة: 172 ] والشكر لا يكون إلاَّ على نعمة.
وقال: { وَأَحْسِن كَمَآ أَحْسَنَ الله إِلَيْكَ } [ القصص: 77 ] وهذا خطاب لقارون.
وقال: { وَضَرَبَ الله مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً } [ النحل: 112 ] الآية.
فنبّه سبحانه أنه قد أنعم عليهم نِعمة دُنيْاوِية فجحدوها.
وقال: { يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ الله ثُمَّ يُنكِرُونَهَا } [ النحل: 83 ] وقال: { ياأيها الناس اذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ } [ فاطر: 3 ] .
وهذا عامّ في الكفار وغيرهم.
فأما إذا قدّم لغيره طعاماً فيه سمّ فقد رفق به في الحال ؛ إذْ لم يجرعه السمَّ بحتاً ، بل دَسّه في الحلاوة ، فلا يستبعد أن يُقال: قد أنعم عليه ، وإذا ثبت هذا فالنِّعَم ضربان: نِعَمُ نفْع وَنِعَمُ دفْع ؛ فنِعم النفعِ ما وصل إليهم من فنون اللذات ، ونِعم الدفعِ ما صرف عنهم من أنواع الآفات.
فعلى هذا قد أنعم على الكفار نِعم الدفع قولاً واحداً ؛ وهو ما زُوِيَ عنهم من الآلام والأسقام ، ولا خلاف بينهم في أنه لم يُنعم عليهم نَعمة دِينيه. والحمد لله. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 320 ـ 321}