فهرس الكتاب

الصفحة 8700 من 12199

واعلم أن الحكمة في تقديم الوصية على الدين في اللفظ من وجهين: الأول: أن الوصية مال يؤخذ بغير عوض فكان إخراجها شاقا على الورثة ، فكان أداؤها مظنة للتفريط بخلاف الدين ، فإن نفوس الورثة مطمئنة إلى أدائه ، فلهذا السبب قدم الله ذكر الوصية على ذكر الدين في اللفظ بعثا على أدائها وترغيبا في اخراجها ، ثم أكد في ذلك الترغيب بادخال كلمة"أو"على الوصية والدين ، تنبيها على أنهما في وجوب الإخراج على السوية.

الثاني: أن سهام المواريث كما أنها تؤخر عن الدين فكذا تؤخر عن الوصية ، ألا ترى أنه إذا أوصى بثلث ماله كان سهام الورثة معتبرة بعد تسليم الثلث إلى الموصى له ، فجمع الله بين ذكر الدين وذكر الوصية ، ليعلمنا أن سهام الميراث معتبرة بعد الوصية كما هي معتبرة بعد الدين ، بل فرق بين الدين وبين الوصية من جهة أخرى ، وهي أنه لو هلك من المال شيء دخل النقصان في أنصباء أصحاب الوصايا وفي أنصباء أصحاب الارث ، وليس كذلك الدين ، فإنه لو هلك من المال شيء استوفى الدين كله من الباقي ، وإن استغرقه بطل حق الموصى له وحق الورثة جميعا ، فالوصية تشبه الإرث من وجه ، والدين من وجه آخر ، أما مشابهتها بالارث فما ذكرنا أنه متى هلك من المال شيء دخل النقصان في أنصباء أصحاب الوصية والارث ، وأما مشابهتها بالدين فلأن سهام أهل المواريث معتبرة بعد الوصية كما أنها معتبرة بعد الدين والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 175 ـ 176}

وقال القرطبى:

إن قيل: ما الحكمة في تقديم ذكر الوصيّة على ذكر الدَّين ، والدَّين مُقدَّم عليها بإجماع.

وقد روى الترمذيّ عن الحارث عن عليّ: أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بالدَّين قبل الوصية ، وأنتم تقرُّون الوصيّة قبل الدّين.

قال: والعمل على هذا عند عامة أهل العلم أنه يُبدأ بالدّين قبل الوصية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت