و"مَا"في قوله تعالى: { مَآ أَنْفَقُواُ } يجوز أن تكون موصولةً اسميّةً ، فالعائد محذوفٌ ، أي: ما أنفقوه ، وأن تكون مصدريةً ، فلا تحتاج إلى عائدٍ ، أي: لا يتبعون إنفاقهم. ولا بدَّ من حذفٍ بعد"مَنًا"، أي: منًا على المنفق عليه ، ولا أذى له ، فحذف للدّلالة عليه.
والمنُّ: الاعتداد بالإحسان ، وهو في الأصل: القطع ، ولذلك يطلق على النِّعمة؛ لأنَّ المنعم يقطع من ماله قطعةً للمنعم عليه. يقال: قد منَّ الله على فلان ، إذا أنعم عليه ، ولفلان عليَّ منَّةٌ ، أي: نعمة؛ وأنشد ابن الأنباريّ: [ الطويل ]
فَمُنِّي عَلَيْنَا بالسَّلاَمِ فَإِنَّمَا... كَلاَمُكِ يَاقُوتٌ وَدُرٌّ مُنَظَّمٌ
ومنه قوله - صلى الله عليه وسلم -:"ما مِنْ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ أَمَنَّ عَلَيْنَا في صُحْبَتِهِ ، وَلاَ ذَات يَدِهِ مِنْ ابْنِ أَبِي قُحَافَةَ"يريد أكثر إنعامًا بماله ، وأيضًا فالله تعالى يوصف بأنَّه منَّانٌ ، أي: منعمٌ ، و"المنّ"أيضًا النَّقص من الحقّ. قال تبارك وتعالى: { وَإِنَّ لَكَ لأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ } [ القلم: 3 ] أي: غير مقطوع وغير ممنوع؛ ومنه سمي الموت منوناص؛ لأنه ينقص الحياة ، ويقطعها ، ومن هذا الباب: المنَّةُ المذمومة؛ لأنَّها تنقص النّعمة ، وتكدّرها ، والعرب يمتدحون بترك المنّ بالنِّعمة قال قائلهم: [ الرمل ]
زَادَ مَعْرُوفُكَ عِنْدِي عِظَمًا... أَنَّهُ عِنْدَكَ مَسْتُورٌ حَقِيرْ
تَتَنَاسَاهُ كَأَنْ لَمْ تَأْتِهِ... وَهْوَ في العَالَمِ مَشْهُودٌ كَثِيرْ
والمنُّ: الذي يوزن به ، ويقال في هذا:"مَنَا"مثل: عَصَا. وتقدَّم اشتقاق الأذى.