قوله: { مِنَ الشهدآء } يجوزُ أن يتعلَّقَ بمحذوفٍ على أَنَّهُ حالٌ من العائدِ المحذوفِ ، والتَّقديرُ: مِمَّن تَرْضَونَه حال كونه بعض الشُّهداءِ.
ويجوزُ أن يكونَ بدلًا مِنْ"مِنْ"بإعادةِ العامل ، كما تقدَّم في نفسِ { مِمَّن تَرْضَوْنَ } ، فيكونُ هذا بدلًا مِنْ بدلٍ على أحدِ القَوْلينِ في كلِّ منهما.
وقوله: إحداهما"فاعل ،"والأخرى"مفعولٌ ، وهذا مِمَّا يجبُ تقديمُ الفاعلِ فيه لخفاءِ الإِعراب ، والمعنى نحو: ضَرَب مُوسَى عِيسَى."
قال أبو البقاء: ف"إحداهما"فاعلٌ ، و"الأخرى"مفعول ، ويصحُّ العكسُ ، إلا أنه يمتنع على ظاهرِ قول النَّحويّين في الإِعراب ، لأَنَّهُ إذا لم يظهر الإعرابُ في الفاعلِ والمفعولِ ، وجَبَ تقديمُ الفاعل فيما يُخاف فيه اللَّبسُ ، فعلى هذا إذا أُمِنَ اللَّبْسُ جاز تقديم المفعولِ كقولك:"كَسَرَ العَصَا مُوسَى"، وهذه الآيةُ من هذا القبيلِ ، لأنَّ النِّسيان ، والإِذكارَ لا يتعيَّنُ في واحدةٍ منهما ، بل ذلك على الإِبهامِ ، وقد عُلِم بقوله:"فَتُذَكِّرَ"أنَّ الَّتي تُذَكِّر هي الذَّاكرةُ ، والتي تُذَكَّر هي النَّاسية ، كما علم من لفظ"كَسَر"مَنْ يصحُّ منه الكَسْرُ ، فعلى هذا يجوز أن يُجْعل"إِحْدَاهُما"فاعلًا ، و"الأُخْرَى"مفعولًا وبالعكس انتهى.
ولمَّا أبهم الفاعل في قوله:"أَنْ تَضِلَّ إحداهما"أَبْهَمَ أيضًا في قوله:"فَتُذَكِّرَ إحداهما"؛ لأنَّ كلاًّ من المَرْأَتين يجوزُ [ عليها ما يجوزُ ] على صاحبتها من الإِضلالِ ، والإِذكارِ ، والمعنى: إن ضلَّت هذه أَذْكَرَتْها هذه ، فَدَخَلَ الكلامَ معنى العموم.