وأحسن كلام فيه ما يأتلف من كلامي المازري وعياض ، في شرحيهما"لصحيح مسلم": وهو مع زيادة بيان أنّ ما يخطر في النفس إن كان مجرّد خاطرِ وتردّد من غير عزم فلا خلاف في عدم المؤاخذة به ، إذ لا طاقة للمكلّف بصرفه عنه ، وهو مورد حديث التجاوز للأمة عمّا حدّثت به أنفسها ، وإن كان قد جاش في النفس عَزم ، فإما أن يكون من الخواطر التي تترتّب عليها أفعال بدنية أوْ لا ، فإن كان من الخواطر التي لا تترتَّب عليها أفعال: مثل الإيمان ، والكفر ، والحسد ، فلا خلاف في المؤاخذة به ؛ لأنَّ مما يدخل في طوق المكلّف أن يصرفه عن نفسه ، وإن كان من الخواطر التي تترتّب عليها آثار في الخارج ، فإن حصلت الآثار فقد خرج من أحوال الخواطر إلى الأفعال كمن يعزم على السرقة فيسرق ، وإن عزم عليه ورجع عن فعله اختيارًا لغير مانع منعه ، فلا خلاف في عدم المؤاخذة به وهو مورد حديث"من همّ بسيئة فلم يعملها كتبت له حسنةً"وإن رجع لمانعٍ قهره على الرجوع ففي المؤاخذة به قولان.
أي إنّ قوله تعالى: { يحاسبكم به الله } محمول على معنى يجازيكم وأنّه مُجمل تُبَيّنه موارد الثواب والعقاب في أدلة شرعية كثيرة ، وإنّ من سمَّى ذلك نسخًا من السلف فإنّما جرى على تسميةٍ سبقتْ ضَبطَ المصطلحات الأصولية فأطلق النّسخ على معنى البيان وذلك كثير في عبارات المتقدّمين وهذه الأحاديث ، وما دلّت عليه دلائل قواعد الشريعة ، هي البيان لمن يشاء في قوله تعالى: { فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء } .
وفي"صحيح البخاري"عن ابن عباس"أنّ هذه الآية نُسِخت بالتي بعدها"أي بقوله: { لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها } [ البقرة: 286 ] كما سيأتي هنالك.
وقد تبيّن بهذا أنّ المشيئة هنا مترتّبة على أحوال المُبْدَى والمُحْفَى ، كما هو بيّن. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 130 ـ 131}