فهرس الكتاب

الصفحة 4989 من 12199

وأيضًا فقد ذكرنا في تفسير قوله تعالى: {قُلْ لّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إلى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ المهاد} [ آل عمران: 12 ] أن اليهود تكبروا على النبي صلى الله عليه وسلم بكثرة عددهم وسلاحهم وشدتهم ، ثم إنه تعالى رد على جميع هؤلاء الطوائف بأن بيّن أنه سبحانه هو مالك الملك فيؤتي ملكه من يشاء ، فقال {تُؤْتِى الملك مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الملك مِمَّن تَشَاءُ } .

فإن قيل: فإذا حملتم قوله {تُؤْتِى الملك مَن تَشَاءُ} على إيتاء ملك النبوّة ، وجب أن تحملوا قوله {وَتَنزِعُ الملك مِمَّن تَشَاءُ} على أنه قد يعزل عن النبوّة من جعله نبيًا ، ومعلوم أن ذلك لا يجوز.

قلنا: الجواب من وجهين

الأول: أن الله تعالى إذا جعل النبوّة في نسل رجل ، فإذا أخرجها الله من نسله ، وشرَّف بها إنسانًا آخر من غير ذلك النسل ، صح أن يقال إنه تعالى نزعها منهم ، واليهود كانوا معتقدين أن النبوّة لا بد وأن تكون في بني إسرائيل ، فلما شرف الله تعالى محمدًا صلى الله عليه وسلم بها ، صح أن يقال: إنه ينزع ملك النبوّة من بني إسرائيل إلى العرب.

والجواب الثاني: أن يكون المراد من قوله {وَتَنزِعُ الملك مِمَّن تَشَاءُ} أي تحرمهم ولا تعطيهم هذا الملك لا على معنى أنه يسلبه ذلك بعد أن أعطاه ، ونظيره قوله تعالى: {الله وَلِيُّ الذين ءَامَنُواْ يُخْرِجُهُم مّنَ الظلمات إِلَى النور} [ البقرة: 257 ] مع أن هذا الكلام يتناول من لم يكن في ظلمة الكفر قط ، وقال الله تعالى مخبرًا عن الكفار أنهم قالوا للأنبياء عليهم الصلاة والسلام {أَوْ لَتَعُودُنَّ فِى مِلَّتِنَا} [ الأعراف: 88 ] وأولئك الأنبياء قالوا {وَمَا يَكُونُ لَنَا أَن نَّعُودَ فِيهَا إِلا أَن يَشَاءَ الله} [ الأعراف: 89 ] مع أنهم ما كانوا فيها قط ، فهذا جملة الكلام في تقرير قول من فسّر قوله تعالى: {تُؤْتِى الملك مَن تَشَاءُ} بملك النبوة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت