الثاني: - وإليه ذهب الزمخشري - أيضاً - أن يكون بإضمار فعل ، تقديره: بَلِ أحسبهم أحياءً ، وهذا الوجهُ سبق إليه أبة إسحاق ، الزجاجِ ، إلا أن الفارسيَّ ردَّه عليه - في الإغفال - وقال ، لأن الأمر يقينٌ ، فلا يجوز أن يؤمر فيه بمحسبة ، ولا يصح أن يُضمرَ فيه إلا فعلُ المحسبة ، فوجه قراءة ابن أبي عبلة أن يضمر فعلاً غير المحسبة ، اعتقدهم ، أو اجعلهم ، وذلك ضعيفٌ ؛ إذ لا دَلاَلَةَ في الكلامِ على ما يُضْمَر.
قال شهابُ الدينِ: وهذا تحامُل من أبي عليٍّ أما قوله: إن الأمر يقينٌ ، يعني أن كونهم أحياء أمر متيقن ، فكيف يقال فيه: أحسبهم - بفعل يقتضي الشك - وهذا غير لازم ؛ لأن"حسب"قد تأتي لليقين.
قال الشاعر: [ الطويل ]
حَسِبْتُ التُّقَى وَالمَجْدَ خَيْرَ تِجَارَةٍ... رَبَاحاً إذَا ما المَرْءُ أصبَحَ ثَاقِلا
وقال آخر: [ الطويل ]
شَهِدْت وَفَاتُونِي وَكُنْتُ حَسِبْتُنِي... فَقيراً إلى أن يَشْهَدوُا وَتَغِيبي
ف"حسب"- في هذين البيتين - لليقين ؛ لأن المعنى على ذلك. وقوله: لذلك ضعيف ، يعني من حيث عدم الدلالة اللفظية ، وليس كذلك ، بل إذا أرشَدَ المعنى إلى شيء يُقَدَّر ذلك الشيءُ - لدلالة المعنى عليه - من غير ضَعْفٍ - وإن كانَ دلالةُ اللَّفظِ أحسنَ - وأما تقديره هو: اعتقدهم أو جعلهم ، قال الشيخ: هذا لا يصح ألبتة سواءٌ جعلت: اجعلهم بمعنى اخلقهم ، أو صيِّرهم أو سمِّهم ، أو الْقهم.
قوله: { عِندَ رَبِّهِمْ } فيه خمسةُ أوجهٍ:
أحدها: أن يكون خبراً ثانياً لـ"أحياء"على قراءة الجمهورِ.
الثاني: أن يكون ظرفاً لـ"أحياء"لأن المعنى: يحيون عند ربهم.
الثالث: أن يكون ظرفاً لـ"يرزقون"أي: يقع رزقهم في هذا المكانِ الشريفِ.