فالجواب: أن هذا دليل عليهم وليس دليلًا لهم، لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم قدم مكة في اليوم الرابع اتفاقًا، ولا أحد يشك في هذا، وهل هناك دليل على أنه لو قدم في اليوم الثالث أتم؟ بل نعلم أن النبي صلّى الله عليه وسلّم يعلم بأن الناس يقدمون للحج قبل اليوم الرابع، وليس كل الحجاج لا يقدمون إلا من الرابع فأكثر، بل منهم من يقدم في ذي الحجة، وفي ذي القعدة وفي شوال، لأن أشهر الحج تبتدئ من شوال، ولم يقل للأمة من قدم مكة قبل اليوم الرابع فليتم، ولو كانت شريعة الله أن من قدم قبل اليوم الرابع من ذي الحجة إلى مكة لزمه أن يتم لوجب على النبي صلّى الله عليه وسلّم أن يبيّنه لدعاء الحاجة للبلاغ والتبيين، فلما لم يبين ولم يقل للناس من قدم قبل اليوم الرابع فليتم علم أنه لا يلزمه الإِتمام، فيكون هذا الحديث دليلًا على أنه لا يلزم الإِتمام من نوى إقامة أكثر من أربعة أيام.
إذًا لا دليل على التحديد بأربعة أيام، لأن بقاء النبي صلّى الله عليه وسلّم في مكة أربعة أيام وقع مصادفة لا تشريعًا، وهذه قاعدة، ولهذا لا يسن للحاج إذا دفع من عرفات إلى مزدلفة أن ينزل في الطريق، ثم يبول، ثم يتوضأ وضوءًا خفيفًا، لأن هذا وقع منه صلّى الله عليه وسلّم على سبيل الاتفاق [1] .
وأيضًا كيف نقول: من نوى الإِقامة ستًا وتسعين ساعة فله أن يقصر، ومن نوى الإِقامة ستًا وتسعين ساعة وعشر دقائق فليس له أن يقصر؛ لأن الأول مسافر والثاني مقيم، أين هذا التحديد
(1) أخرجه مسلم، كتاب الحج، باب استحباب إدامة الحاج التلبية .. (1280) (266) .