حتى إنه يقول له لا تطمئن في الصلاة وأنت تصلي أمام الناس لئلا تكون مرائيًا، وحتى يقول له لا تتقدم للمسجد لأنهم يقولون إنك مراءٍ، ويقول لا تنفق لأنهم يقولون مراءٍ، وأيضًا أنه إذا اتبع السنة قد يكون قدوة لغيره، فمثلًا لو دعاك أحد لغداء في أيام البيض، وقلت: إني صائم حصل بذلك تمام العذر لأخيك فعذرك وربما يقوده ذلك إلى أن يصوم فيقتدى بك، فالمهم أن باب الرياء ينبغي للإنسان ألا يكون على باله إطلاقًا، والله ـ سبحانه ـ مدح الذين ينفقون أموالهم سرًا وعلانية حسب الحال قد يكون السر أفضل وقد تكون العلانية أفضل.
قوله: «وتأخير سحور» أي سن تأخير سحور.
السُحور: بالضم، لأن سَحورًا بالفتح اسم لما يتسحر به، وسُحور بالضم اسم للفعل، ولهذا نقول: وَضوءًا بفتح الواو اسم للماء ووُضُوء بضم الواو اسم للفعل، ونقول: طَهور اسم لما يتطهر به وطُهور بضم الطاء اسم لفعل الطهارة، وهذه قاعدة مفيدة تعصم الإنسان من الخطأ في مثل هذه الكلمات.
إذًا يسن تأخير السُّحور ـ بالضم ـ، أي: أن الإنسان إذا تسحر ـ والسحور سنة أيضًا ـ ينبغي له أن يؤخره اقتداءً برسول الله صلّى الله عليه وسلّم، واحتسابًا للخيرية التي قال فيها الرسول صلّى الله عليه وسلّم: «لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر وأخروا السحور» [1] ففيه سنة قولية وسنة فعلية، ورفقًا بالنفس؛ لأنه إذا أخر السحور، قلت
(1) أخرجه البخاري في الصوم/ باب تعجيل الإفطار (1957) ؛ ومسلم في الصيام/ باب فضل السحور (1098) عن سهل بن سعد رضي الله عنه.