ولكن الذي يظهر لي أنه لا يحل إلا بعد الرمي والحلق وهي الرواية الثانية عن الإمام أحمد لحديث: «إذا رميتم وحلقتم فقد حل لكم كل شيء إلا النساء» [1] ، ولكن الزيادة هذه «حلقتم» في ثبوتها نظر؛ لأن فيها الحجاج بن أرطاة وهو ضعيف عندهم، ولحديث عائشة ـ رضي الله عنها ـ: «كنت أطيب النبي صلّى الله عليه وسلّم لإحرامه قبل أن يحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت» [2] ، ولو كان يحل بالرمي لقالت: ولحله قبل أن يحلق، فهي ـ رضي الله عنها ـ جعلت الحل ما بين الطواف والذي قبله، والذي قبله هو الرمي والنحر والحلق، لا سيما وأن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «إن معي الهدي فلا أحل حتى أنحر» [3] .
فالاستدلال بحديث عائشة على ظاهره صحيح، ولكن إذا علمنا أن السبب في ذلك أنه حصل خلاف، هل يجوز للمحرم إذا حل التحلل الأول أن يتطيب قبل أن يطوف؟ فأرادت عائشة ـ رضي الله عنها ـ أن تبين جواز التطيب قبل الطواف فيكون سبب اقتصارها على الطواف أنه محل الخلاف؛ وذلك أن الطيب مما يعطي النفس نشوة ورغبة في النكاح، والنكاح ممنوع بعد التحلل الأول، فكره بعض السلف أن يتطيب الإنسان قبل أن يطوف بالبيت، فأرادت عائشة ـ رضي الله عنها ـ أن تبين أن هذه الكراهة لا وجود لها لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم كان يتطيب قبل أن يطوف.
(1) سبق تخريجه ص (330) .
(2) سبق تخريجه ص (64) .
(3) أخرجه البخاري في الحج/ باب التمتع والقران والإفراد بالحج (1566) ؛ ومسلم في الحج/ باب بيان أن القارن لا يتحلل ... (1229) عن حفصة ـ رضي الله عنها ـ.