من طلب النافلة، فإذا جاز التوكيل في الأشد جاز التوكيل في الأخف، لكن هذا التعليل معارض بالتعليل الأول، وهو أن المطالب بالفريضة لا بد أن يأتي بها، إما بنفسه أو بنائبه.
وبعضهم ـ أيضًا ـ توسع وقال: النفل يجوز التوكيل فيه ولو كان قادرًا، وهذا من غرائب العلم؛ لأن هذا لا يصح أثرًا ولا نظرًا، فلا يصح أثرًا؛ لأنه لم يرد عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أن أحدًا حج عن أحد نافلة.
وأما نظرًا فلأننا إن قلنا بالقياس على الفريضة، فالفريضة لم ترد إلا في حال العجز عجزًا لا يرجى زواله.
وبعضهم ـ أيضًا ـ توسع توسعًا ثالثًا، وقال: يجوز أن يوكل الإنسان في حج النفل ولو في أثنائه، وعلى هذا إذا ذهب إنسان للعمرة وطاف ووجد مشقة وهي نافلة، وقال لإنسان: يا فلان وكلتك تسعى عني وتحلق عني، جاز على هذا القول، وهذا في الحقيقة من أضعف الأقوال، أن يستنيب شخصًا في إكمال النافلة؛ لأن الحج إذا شرع فيه الإنسان، صار فرضًا واجبًا عليه لا يمكن أن يتحلل منه إلا بإتمامه، أو بالإحصار عنه، أو بالعذر إن اشترط، لقول الله ـ تعالى ـ: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالَعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة: 196] ، فالحج من بين سائر الأعمال إذا شرعت فيه وهو نفل يلزمك أن تتمه، قال الله ـ تبارك وتعالى ـ: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ} [البقرة: 197] ، فجعل الإحرام بالحج فرضًا، وقال ـ تعالى ـ: {ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ} يعني الحُجاج {وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ} [الحج: 29] .