ثم صيام شهرين متتابعين، ثم إطعام ستين مسكينًا، وكذلك في كفارة القتل، ولكن كفارة اليمين للتخيير؛ لأنه بدأ بالأخف {إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} [المائدة: 89] وانظر إلى فدية الأذى إذا كان الإنسان مُحْرمًا، واحتاج إلى حلق رأسه فحَلَقَهُ {فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} [البقرة: 196] . فالنسك الأشد، ثم الصدقة، ثم الصيام، فهؤلاء يقولون: إن «أو» في الآية للتنويع، وأنها على حسب الجريمة؛ لأن عهدنا بالقرآن أن الشيء إذا كان على الترتيب بدأ بالأغلظ، وإذا كان على التخيير بدأ بالأخف، فصار الدليل عندهم أثرًا ونظرًا.
وذهب الإمام مالك ـ رحمه الله ـ إلى أن (أو) في الآية للتخيير، وأن الإمام مخير، إن شاء قتل وصلب، وإن شاء قتل ولم يصلب، وإن شاء قطع، وإن شاء نفى، ولكن على مذهب الإمام مالك يجب على الإمام أن ينظر ما هو الأصلح، فإذا كان الأصلح القتل والصلب قَتَلَ وصَلَبَ، وإن كان في القتل فقط قتل فقط، وإن كان في القطع قطع، فمثلًا إذا انتهك الناس حرمة الحقوق، وصاروا لا يبالون بقطع الطريق فالمصلحة القتل والصلب، وإذا كان صلب هذا الرجل يؤدي إلى فتنة، بأن كان سيد قومه، وخفنا إذا صلبناه أن تثور هذه القبيلة وتحصل دماء ومفاسد نكتفي بالقتل.
ولكن القول الأول هو الراجح في تقديرنا، وأنه لا خيار، ولا سيما في وقتنا هذا؛ لأننا لو فتحنا للحكام باب الخيار لتلاعبوا، وصار هذا يُقتل ويُصلب في نظرهم، والآخر ينفى من