وهذا القول كما ترى قولٌ وَسَطٌ، تجتمع فيه الأخبار كما قال صاحب «المغني» رحمه الله، وهو اختيار ابن القيم، أننا لا نقول سُنَّة على الإطلاق، ولا غير سُنَّة على الإطلاق، بل نقول هي سُنَّة في حَق مَنْ يحتاج إليها لكبر أو مرض أو غير ذلك. وكنت أميلُ إلى أنها مستحبَّة على الإطلاق وأن الإنسان ينبغي أن يجلس، وكنت أفعلُ ذلك أيضًا بعد أن كنت إمامًا، ولكن تبيَّن لي بعد التأمل الطويل أن هذا القول المفصَّل قول وسط، وأنه أرجح من القول بالاستحباب مطلقًا، وإن كان الرُّجحان فيه ليس قويًا عندي، لكن تميل إليه نفسي أكثر، فاعتمدت ذلك.
مسألة: إذا كان الإنسان مأمومًا فهل الأفضل له أن يجلس إذا كان يرى هذا الجلوس سُنَّة، أو متابعة الإمام أفضل؟
الجواب: أنَّ متابعةَ الإمام أفضل، ولهذا يَتركُ الواجبَ وهو التشهُّد الأول، ويَفعلُ الزَّائدَ؛ كما لو أدرك الإمامَ في الرَّكعةِ الثانية، فإنه سوف يتشهَّدُ في أول ركعة؛ فيأتي بتشهد زائد مِن أجل متابعة الإمام، وسوف يترك التشهُّد الأول إذا قامَ الإمامُ للرابعة، مِن أجل متابعة الإمام، بل يتركُ الإنسانُ الرُّكنَ من أجل متابعة الإمام، فقد قال النبيُّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: «إذا صَلَّى قاعدًا فصلُّوا قعودًا» [1] فيترك رُكنَ القيام، ورُكنَ الرُّكوع فيجلس في موضع القيام، ويومئ في موضع الرُّكوع، كلُّ هذا من أجل متابعة الإمام.
فإن قال قائل: هذه الجِلْسة يسيرة، لا يحصُل بها تخلُّف كثير عن الإمام.
(1) تقدم تخريجه ص (98) حاشية (1) .