عَلِمَ فأقرَّه، ولو كان هذا أمرًا لا يرضاه الله لم يُقره على فِعْلِهِ، كما قال تعالى منكرًا على من يستخفون بالمعصية: {يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لاَ يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ} [النساء: 108] .
ولهذا استدلَّ الصحابةُ على جوازِ العَزْلِ بأنَّهم كانوا يفعلونَه في عَهْدِ النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، لأنَّهم كانوا يفعلون ذلك في زَمَنِ نزولِ القرآنِ، ولو كان لاَ يَحِلُّ لنهاهم الله عنه [1] .
ثالثًا: أنَّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم كان في بعضِ أنواعِ صلاةِ الخوفِ يُصلِّي بالطَّائفة الأُولى صلاةً تامَّةً ويسلِّمُ بها، ثم تأتي الطائفةُ الثانيةُ فيصلِّي بها النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم [2] . وهنا تكون الصَّلاةُ الأُولى للرَّسولِ صلّى الله عليه وسلّم فرضًا والثانيةُ نَفْلًا.
فإنْ قال قائل: هذه صلاةُ خَوفٍ فجاز للضَّرورةِ.
فالجواب: أنَّ هناك أنواعًا أخرى يحصُلُ بها المقصودُ فلا ضرورة لهذا النوع.
رابعًا: أنَّ عَمرَو بنَ سَلَمةً الجرمي كان يصلِّي بقومِهِ وله سِتٌّ أو سبعُ سنين [3] ، استنادًا إلى عمومِ قولِ الرَّسولِ صلّى الله عليه وسلّم: «وليؤمَّكم أكثرُكم قرآنًا» [4] حيث نظروا في القومِ فلم يكن أحدٌ أقرأ منه فقدَّموه. ومِن المعلومِ أنَّ الصَّبيَّ لا فَرْضَ عليه، فالصَّلاةُ في حَقِّهِ نافلةٌ، ومع هذا أُقِرَّ والقرآنُ ينزِلُ.
(1) تقدم تخريجه ص (226) .
(2) أخرجه الإمام أحمد (5/ 39، 49) ؛ وأبو داود، كتاب الصلاة، باب مَن قال يصلي بكل طائفة ركعتين (1248) ؛ والنسائي، كتاب صلاة الخوف (3/ 178) .
(3) تقدم تخريجه ص (225) .
(4) تقدم تخريجه (3/ 27) .