أولًا: قوله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16] وقوله: {لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} [البقرة: 286] وهذا الرَّجُلُ الذي لم يجدْ مكانًا في الصَّفِّ لم يستطعْ أكثرَ مِن ذلك.
ثانيًا: إذا قلنا: لا تصفَّ وحدَك لزِمَ مِن هذا أحدُ أمور:
إما أن يَدَعَ الصَّلاةَ مع الجماعة؛ ويصلِّي وحدَه؛ فتفوتُه صلاةُ الجماعةِ.
وإما أن يتقدَّمَ إلى الإِمامِ، وقد ذكرنا أنَّ هذا ليس مِن السُّنَّة [1] ، وإما أن يجذِبَ أحدًا معه وقد قلنا: إن هذا أيضًا لا يجوز [2] .
فما بقيَ عليه إلا أنْ يصفَّ وحدَه؛ لأنَّ انفرادَه في المكان فقط أَولى مِن انفرادِه في المكان والمتابعة، وقد ذكرنا فيما سبق أنَّ أكثرَ أهلِ العِلْمِ صحّحوا صلاة المنفردِ خلفَ الصَّفِّ لعُذرٍ ولغير عُذر، فيكون القولُ بتصحيحِ صلاةِ المنفردِ خلفَ الصَّفِّ للعُذرِ قولًا وسطًا بين قولين أحدهما يقول: لا بأسَ مطلقًا، والثاني يقول: لا تصِحُّ الصَّلاةُ ولو لعُذر [3] .
والغالبُ في أقوال العلماء إذا تدبَّرتها أنَّ القولَ الوسطَ يكون هو الصَّواب؛ لأنَّ القول الوسط تجده أخذَ بأدلَّةِ هؤلاء وأدلَّةِ هؤلاء فَجَمَعَ بين الأدلَّةِ.
وانظر مثلًا إلى العقائد، فقد انقسم النَّاسُ في صفات الله إلى طَرَفين ووسط:
(1) انظر: ص (273) .
(2) انظر: ص (272) .
(3) انظر: ص (272) .