شخصية وله سلطان، فلا يكون ضعيفًا أمام الخصوم.
والسلبي «من غير عنف» يعني لا يكون بقوته عنيفًا؛ لأنه إذا كان ضعيفًا ضاعت الحقوق، وإن كان عنيفًا هابه صاحب الحق، ولم يستطع أن يدلي بحجته، ولهذا قال بعدها:
«لينًا من غير ضعف» فينبغي أن يكون لينًا؛ لأنه لو كان غليظ القلب فظًا لهابه صاحب الحق، وتلعثم وعجز عن إظهار حجته، ولو كان ضعيفًا لضاعت الحقوق، ولعب عليه أهل الباطل، وصار الخصوم عنده يتناقرون كما تتناقر الديكة، فإذا حضرت مجلسه، وإذا الصخب، واللغط، والشتم، والسب، وهو ساكت يتفرج، فهذا ضعيف، ولا ينبغي أن يكون القاضي على هذا الوجه، وإذا كان عنيفًا فالأمر مشكل؛ لأن العنيف يهابه صاحب الحق، ولا يستطيع أن يتكلم، فيكون الإنسان بين بين، قويًا من غير عنف، ولينًا من غير ضعف.
فإن قال قائل: هذه صفات يجبل الله العبد عليها، وليست أمرًا مكتسبًا، بل هي أمر غريزي، فكيف تطالبونه بأمر غريزي لا يستطيع أن يتخلق به؟!
فالجواب: أن جميع الأخلاق والصفات الغريزية يمكن أن تتغير بالاكتساب، فكثير من الناس يكون شديدًا عنيفًا، ثم يصاحب رجلًا لينًا فيأخذ من أخلاقه ويلين، وكثير من الناس يكون ضعيف الشخصية، ولكنه يتمرن على تقوية شخصيته حتى تكون قوية، فالفقهاء لم يطلبوا شيئًا مستحيلًا، وإنما طلبوا أمرًا، إن كان الإنسان قد جُبل عليه فذلك المطلوب، وإن لم يكن