فحينئذٍ لا يكون مقيِّدًا للكلام الأول؛ لأنك إذا قلت مثلًا: والله لألبسن هذا الثوب، فهذا غير مقيد، فإذا قلت: إن شاء الله صار مقيَّدًا، فيقولون: ما دام عندنا مُقيِّد ومُقيَّد، فلا بد أن يكون المقيِّد متصلًا بالمقيَّد، وإلا كان أجنبيًا منه.
ودليل الشرط الثالث: وهو أن ينوي الاستثناء قبل تمام المستثنى منه، قالوا: لأنك إذا قلت: والله لألبسن هذا الثوب، بدون نية، صار الكلام الذي دخل عليه الاستثناء حسب نيّتك كلامًا مطلقًا غير مقيد؛ لأنك لم تنوِ أن تدخل عليه التقييد، فإذا أدخلت عليه التقييد، فإن هذا التقييد لا ينسخ ما سبق، أي: لا يجعل الكلام الذي تم على أنه مطلق مقيَّدًا.
ودليل الشرط الرابع: وهو أن يقصد التعليق؛ لأنه إذا قصد التحقيق، أو التبرك فإنه لم يرد به إلاّ تأكيد الشيء وتثبيته، والمقصود بالتعليق الذي يؤثر هو أن يرد الأمر إلى مشيئة الله عزّ وجل، فإذا كنت لم ترد بذلك رد الأمر إلى المشيئة، وإنما أردت بالمشيئة أن تقوي الأمر وتثبته، فهذا لا يكون مؤثرًا، هذا ما ذهبوا إليه فبعضه فيه الدليل وبعضه فيه التعليل.
والصحيح أنه لا يشترط إلا النطق، ودليلنا على ذلك: أن الملَك قال لسليمان عليه الصلاة والسلام: قل: إن شاء الله، بعد أن أتم الجملة، وسليمان لم ينوِ الاستثناء قبل، والنبي صلّى الله عليه وسلّم يقول: «لو قالها لم يحنث وكان دركًا لحاجته» [1] ، وهذا نص كالصريح في أنه لا تشترط النية.
(1) سبق تخريجه ص (139) .