جـ 1 (ص: 481)
العرب على المعاني القرآنية، وذلك منهم إجماع عملي، وقد سبقهم"إجماع أصحاب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- على تفسير القرآن على شرائط اللغة" (1) ، وقد أسند أبو عبيد القاسم بن سلام (ت: 224 هـ) عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة، عن ابن عباس:"أنه كان يسأل عن القرآن فينشد فيه الشعر" (2) ، ثم قال:"يعني أنه كان يستشهد به على التفسير" (3) ، ويشهد لهذا المعنى قول يوسف بن مهران (4) ، وسعيد بن جبير (ت: 95 هـ) :"كنا نسمع ابن عباس كثيرًا ما يسأل عن القرآن، فيقول: هو كذا أو كذا، ما سمعتم الشاعر يقول كذا وكذا؟" (5) ، وقال أبو عبيد (ت: 224 هـ) أيضًا:"في حديث أبي وائل في قول اللَّه عزَّ وجلَّ: {أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} [الإسراء: 78] ، قال: دلوكها: غروبها؛ وهو في كلام العرب: دلكت براح" (6) ، ثم قال:"وفي هذا الحديث حجة لمن ذهب بالقرآن إلى كلام العرب -إذا لم يكن فيه حلال ولا حرام (7) -؛ ألا تراه يقول: وهو في كلام العرب دلكت براح" (8) .
ومن أمثلة استناد الأئمة الخمسة إلى اللغة ما ورد في قوله تعالى: {وَإِن كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً} [النساء: 12] ، حيث انتقد ابن عطية (ت: 541 هـ) قول عطاء أن"الكلالة": المال. مستندًا إلى اللغة بقوله:"الاشتقاق في معنى الكلالة يفسد تسمية المال بها" (9) . وفي قوله تعالى: {وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ} [آل عمران: 146] انتقد ابن تيمية (ت: 728 هـ) قول من قال أنهم: العلماء. من وجوه كثيرة، منها: أن استعمال لفظ الربي في هذا ليس معروفًا في اللغة، بل المعروف الجموع الكثيرة، وأن الربي منسوب إلى الرب بخلاف الرباني فهو منسوب إلى ربان السفينة (10) .
(1) مقدمتان في علوم القرآن ص 201، وقد حكى الإجماع فيه صاحب كتاب"المباني لنظم المعاني".
(2) فضائل القرآن ص 205.
(3) المرجع السابق.
(4) يوسف بن مهران البصري، روى عن ابن عباس -رضي اللَّه عنهما-، ذكره ابن سعد (ت: 230 هـ) في الطبقة الثانية من التابعين، ووثقه وأبو زرعة (ت: 264 هـ) . ينظر: الطبقات الكبرى 7/ 115، والجرح والتعديل 9/ 229.
(5) الطبقات الكبرى (الجزء المتمم لطبقات الصحابة) 1/ 162، والجامع لأخلاق الراوي 2/ 294.
(6) غريب الحديث 2/ 388.
(7) مراده بذلك ما نقله الشرع من المعاني، وصارت له حقيقة شرعية، أو ما كان موضوعه إثبات حكم شرعي؛ فإن اللغة لا مدخل لها في ذلك بعد شهادتها بصحة لفظه وتركيبه على سنن كلام العرب.
(8) غريب الحديث 2/ 388.
(9) المحرر الوجيز 2/ 486.
(10) تفسيره 2/ 154 - 155.