والمحاسبة تارة تكون بعد العمل وتارة قبله للتحذير قال الله تعالى واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه وهذا للمستقبل وكل نظر في كثرة ومقدار لمعرفة زيادة ونقصان فإنه يسمى محاسبة فالنظر فيما بين يدي العبد في نهاره ليعرف زيادته من نقصانه من المحاسبة وقد قال الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا) وقال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا) وقال تعالى: (ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه) ذكر ذلك تحذيرا وتنبيها للاحتراز منه في المستقبل وروى عبادة بن الصامت أنه عليه السلام قال لرجل سأله أن يوصيه ويعظه: (إذا أردت أمرا فتدبر عاقبته فإن كان رشدا فأمضه وإن كان غيا فانته عنه) .. وقال بعض الحكماء: (إذا أردت أن يكون العقل غالبا للهوى فلا تعمل بقضاء الشهوة حتى تنظر العاقبة فإن مكث الندامة في القلب أكثر من مكث خفة الشهوة) . وقال لقمان: (إن المؤمن إذا أبصر العاقبة أمن الندامة) وروى شداد بن أوس عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والأحمق من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني) ، دان نفسه أي حاسبها ، ويوم الدين يوم الحساب. وقوله أئنا لمدينون أي لمحاسبون. وقال عمر رضي الله عنه: (حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوها قبل أن توزنوا وتهيئوا للعرض الأكبر) ، وكتب إلى أبى موسى الأشعري: (حاسب نفسك في الرخاء قبل حساب الشدة) وقال لكعب كيف تجدها في كتاب الله قال ويل لديان الأرض من ديان السماء فعلاه بالدرة وقال إلا من حاسب نفسه فقال كعب ياأمير المؤمنين إنها إلى جنبها في التوراة ما بينهما حرف إلا من حاسب نفسه. وهذا كله إشارة إلى المحاسبة للمستقبل إذ قال من دان نفسه يعمل لما بعد الموت ومعناه وزن الأمور أولا وقدرها ونظر فيها وتدبرها ثم أقدم عليها فباشرها.