وقد عاين رجال قريش سلوك المسلمين عن كثب، فوجدوا فيهم قوما آخرين، صاغهم الإسلام صوغا جديدا، وأخذ كثير منهم يفكرون ويتدبرون مبادئ الإسلام، وسرعان ما أقبل جماعات منهم إلى المدينة مسلمين، ومن هؤلاء خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وعثمان بن طلحة، وهم من سادة قريش وأبطالها، ممن شاركوا في قتال المسلمين من قبل.
أخذ الإسلام ينتشر في جزيرة العرب بعد الانتصارات التي حققها النبي صلى الله عليه وسلم في أعقاب صلح الحديبية ورأى النبي صلى الله عليه وسلم أن تبلغ دعوته مسامع ملوك وأمراء الدول المجاورة، فأرسل إليهم كتبا مع سفراء يدعوهم إلى الإسلام، فاستجاب البعض لدعوته كالمنذر بن ساوى أمير البحرين ورد الآخرون السفراء.
فمنهم من كان رده جميلا كملك الروم والمقوقس صاحب مصر، ومنهم من كان رده قبيحا ككسرى أبرويز ملك فارس فقد مزق كتاب النبي صلى الله عليه وسلم. وكذلك شرحبيل أمير غسان الذي سخر من الدعوة للإسلام ، وقتل سفير رسول الله صلى الله عليه وسلم (الحارث بن عمير الأردي) رضي الله عنه.
-الرسول يجهز حملة انتقام لقتل سفيره الحارث بن عمرو: وقعة مؤتة:
كان قتل هذا السفير شديد الوقع على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجهز حملة عدتها ثلاثة آلاف رجل لحرب الغساسنة، وجعل قيادتها لزيد بن حارثة. ولما علم الغساسنة بأمرها استنجدوا بحلفائهم الروم فانجدوهم بجيش عظيم. وكان اللقاء في (مؤتة) .
وفي تلك المعركة قتل زيد بن حارثة قائد الجيش، وقتل من بعده عبد الله بن رواحة ثم جعفر ابن أبي طالب رضي الله عنهم ، ثم انتدب الناس خالد بن الوليد لتولي قيادته، وأدرك أن في استمرار المعركة فناء جيش المسلمين، فانسحب بخطة عسكرية باهرة، إذ أثار الغبار خلف جيشه المنسحب، فأوهم الروم أن مددا ضخما جاء من المدينة وأرهبتهم حيلة خالد فتوقفوا عن تتبع الجيش المنسحب.