ولهذا لم يكن كمال هذا الخلق إلا للرسل والأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم. ومن هذا أمر النبي الرجل أن يستر عورته وإن كان خاليا لا يراه أحد أدبا مع الله على حسب القرب منه وتعظيمه وإجلاله وشدة الحياء منه ومعرفة وقاره وقال بعضهم الزم الأدب ظاهرا وباطنا فما أساء أحد الأدب في الظاهر إلا عوقب ظاهرا. وما أساء أحد الأدب باطنا إلا عوقب باطنا. وقال عبد الله بن المبارك رحمه الله: (من تهاون بالأدب عوقب بحرمان السنن ومن تهاون بالسنن عوقب بحرمان الفرائض. ومن تهاون بالفرائض عوقب بحرمان المعرفة) .. وحقيقة الأدب استعمال الخلق الجميل. ولهذا كان الأدب استخراج ما في الطبيعة من الكمال من القوة إلى الفعل فإن لله سبحانه هيأ الإنسان لقبول الكمال بما أعطاه من الأهلية والاستعداد. قال الله تعالى: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} (الشمس:10) . فعبر عن خلق النفس بالتسوية والدالة على الاعتدال والتمام ثم أخبر عن قبولها للفجور والتقوى وأن ذلك نالها منه امتحانا واختبارا ، ثم خص بالفلاح من زكاها فنماها وعلاها ورفعها بآدابه التي أدب بها رسله وأنبياءه وأولياءه وهي التقوى ثم حكم بالشقاء على من دساها فأخفاها وحقرها وصغرها وقمعها بالفجور والله سبحانه وتعالى أعلم.
والمقصود أن الأدب مع الله تبارك وتعالى هو القيام بدينه والتأدب بآدابه ظاهرا وباطنا ولا يستقيم لأحد قط الأدب مع الله إلا بثلاثة أشياء معرفته بأسمائه وصفاته ومعرفته بدينه وشرعه وما يحب وما يكره ونفس مستعدة قابلة لينة متهيئة لقبول الحق علما وعملا وحالا والله المستعان.