لما تولى المعتصم بن الرشيد الخلافة تحول الطابع العربي للجيش، وصار أكثر الجند من الأتراك، وكان يُأتي بهم من تركستان أطفالا، حيث يربون على الحرب والقتال. وعظم شأنهم في عهد الخليفة الواثق ومن بعده المتوكل، وارتقى فريق منهم إلى رتبة القادة.
ومن ذلك الوقت أضحى الإسلام في حالة دفاع عن الحدود التي وقفت عندها فتوح الخلفاء الراشدين ومن بعدهم بنو أمية. وقد تحول الجند الموالي إلى جنود مرتزقة، يعتصبون إذا ما تأخرت أرزاقهم ويهددون بالعصيان وقد رتبوا لأنفسهم حقوقا عند نصب الخليفة يعرف برسم البيعة.
أخذت الفتوحات تتوالى وتتسع حتى بلغت منتهاها في العصر الأموي، فانبسطت أسارير الدنيا على المسلمين. وفي العصر العباسي بلغ السرف غايته عند الخلفاء والأمراء والوزراء و سراة الناس، وتطاولت القصور، واتسعت الدور، تخطر في أبهائها جوار مثل الحور .. من كل جنس ولون.
وقد حفلت القصور بمجالس الطرب، يرتادها الشعراء ويتبارون بوصف ما يجري فيها من لهو وعبث، فينالون بما تجود به قرائحهم وتنطلق به لهواتهم، الجوائز على أقدارهم. وقد دونت أخبار تلك المجالس وما كان يجري فيها من إسراف باللهو والمجون وحتى الخمور في دواوين الشعراء وكتب الأدب والأخبار.
ومن مشاهد اللهو والعبث ومظاهر الترف و السرف ما روي عن ترف الخليفة المقتدر، فقد كان مبذرا مؤثرا للشهوات، وقد وزع جواهر الخلافة ونفائسها على حظاياه. ومن فنون لهوه أنه أراد في يوم أن يشرب على نرجس في بستان قصره، وكان وقت تسميد الزرع، فاستبدل السماد بالمسك، بمقدار ما احتاج إليه البستان من السماد وسمد به، وجلس يشرب يومه وليلته، واصطبح من غده ، فلما قام أمر بنهب المسك، فانتهبه الخدم والعاملون في البستان واقتلعوه من أصول النرجس، وخرج منه مال عظيم.