وفى التحقيق في أسباب ذلك وما يدعونه من العجز تجد أن الحقيقة عكس ذلك، وأن السبب الذي يظهر بكل جلاء هو ما أوجزه صلى الله عليه وسلم في كلمتين، لقد أصاب الأمة: (الوهن) الذي أخبر عنه صلى الله عليه وسلم ففي الحديث الذي رواه أبو داوود في سننه: (ثم يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها فقال قائل ومن قلة نحن يومئذ قال بل أنتم يومئذ كثير ولكنكم كغثاء السيل ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم وليقذفن الله في قلوبكم الوهن فقال قائل يا رسول الله وما الوهن قال حب الدنيا وكراهية الموت) . لقد أحب الناس الدنيا عامتهم و خاصتهم إلا من رحم الله. وكرهوا الموت فتداعت عليهم الأمم .. وأعقبهم ذلك عيشا ضنكا على أيدي حكامهم، عيش الموت أرحم منه كما قال تعالى: {ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا} .
تجدر الإشارة إلى أمر خطير يترتب على كفر الحاكم وغياب الحم بشريعة الله، وهو أمر أجمع عليه أهل الإسلام واتفقت عليه المذاهب الأربعة لأهل السنة. وهو أن البلاد التي يحكمها كافر بغير شرع الله تزول عنها صفة دار الإسلام. وإن كان عموم أهلها مسلمين، والناظر في تصنيف فقهاء الإسلام رحمهم الله يخرج بنتيجة واضحة موجزة، وهي أن حكم الديار، هل هي ديار إسلام أم ديار كفر، هو تبع للأحكام التي تعلوها.
فإن علتها أحكام الإسلام كانت ديار إسلام وإن علتها أحكام الكفر كانت ديار كفر.
بصرف النظر عن دين أهلها، ومما قاله فقهاء الإسلام في ذلك:
-قال الكاساني الحنفي، في بدائع الصنائع ج 9/ص4375قال:
(إن كل دار مضافة إما إلى الإسلام وإما إلى الكفر. وإنما تضاف الدار إلى الإسلام إذا طبقت فيها أحكامه، وتضاف إلى الكفر إذا طبقت فيها أحكامه) .
-وقال القاضي أبو يعلى الحنبلي:
(كل دار كانت الغلبة فيها لأحكام الكفر دون أحكام الإسلام فهي دار الكفرة) . (المعتمد في أصول الدين ص276) .