الفصل السادس:
مسار التيار الجهادي وتجاربه
(1960 - 2001) م
ابتدءا أقول: إن الأصل المتفق عليه كتعريف عام، ينص على أن الجهاد في سبيل الله هو: الجهد المبذول لتكون كلمة الله هي العليا. وهو يعني بإطلاقه القتال في سبيل الله وبذل النفس والمال في سبيل نصرة دين الله والدفاع عن المسلمين، دينهم ودمهم وعرضهم ومالهم وأرضهم .. وعليه فالقائم بهذا العمل ابتغاء وجه الله ولتكون كلمة الله هي العليا هو المجاهد في سبيل الله. وإذا اجتمع الرهط أو الجماعة من المسلمين على ذلك فهم (مجاهدون في سبيل الله) .
ولكن هذا الفصل يختص بنوع خاص من هؤلاء (المجاهدين) ، يحتاج أصحابه مصطلحا وتعريفا محددا يجمعهم وينسحب على مدارسهم وتجمعاتهم المتعددة، أو حتى على علمائهم وكوادرهم وأفرادهم .. وهو ما اصطلح عليه بمسمى (التيار الجهادي) . وقد كنت في محاضرات وتسجيلات سابقة قد وسعت ما يشمله المصطلح عندما وصلت إلى هذا الفصل، ولاسيما في مجموعة المحاضرات المعنونة باسم (الجهاد هو الحل لماذا وكيف) وكذلك في محاضرات أشرطة الفيديو وهي من آخر إنتاجي وكانت بعنوان هذا الكتاب. فقلت فيها: أن التيار الجهادي
(هو مصطلح شامل لكل من حمل السلاح فردا أو جماعة أو تنظيما يجاهد أعداء الإسلام تحت شعار لا إله إلا الله محمد رسول الله) وقلت في حينها أن هذا التعريف يترك جانبا مسألة المناهج والأساليب والأهداف المحدودة ويتجاوز تقيمها. وقلت أن التيار الجهادي مرحلة و ظاهرة انبثقت عن الصحوة الإسلامية خلال القرن المنصرم.
ولما عدت لما كتبته أو قلته في دروسي تحت هذا التعريف المتوسع، وجدت أن التيار الجهادي الذي تناولت مساره في تلك المحاضرات- وأتناوله هنا- لا ينسحب على كل من يندرج تحت ذلك التعريف العريض (الذي يشمل كل مجاهد في سبيل الله) والذي يشكل مجموع جماعاتهم وأفرادهم وهو. ما يمكن أن يسمى بـ (الظاهرة الجهادية المسلحة) . ولذلك أعيد صياغة التعريف بشكل أدق هنا فأقول:
*التيار الجهادي:
ويشمل على التنظيمات والجماعات والتجمعات والعلماء والمفكرين والرموز والأفراد الذين تبنوا فكرة الجهاد المسلح ضد الحكومات القائمة في بلاد العالم العربي و الإسلامي. باعتبارها تمثل أنظمة حكم مرتدة. بسبب حكمها بغير ما أنزل الله ، وتشريعها من دون الله ، وولائها لأعداء الأمة من قوى الكفر المختلفة ، كما تبنوا منهاج الجهاد المسلح ضد القوى الاستعمارية الهاجمة على بلاد المسلمين معتبرين تلك الأنظمة التي أسقطوا شرعيتها وخرجوا عليها حلفاء محاربين للإسلام والمسلمين.
ورغم أن جماعات وأفراد التيار الجهادي يشتركون مع غيرهم من مكونات (الظاهرة الجهادية) في مبدأ الجهاد المسلح ضد الأعداء الخارجيين المعتدين على أهل الإسلام وبلادهم ومقدساتهم مع الجماعات والأفراد الذين تصدوا لجهاد هؤلاء الأعداء كما في فلسطين و الشيشان و البوسنة وكشمير والفلبين و إرتريا وغيرها .. إلا أنهم تميزوا بالفكر المنطلق من مبادئ الحاكمية والمفاصلة مع أنظمة الجاهلية، وبمبادئ الولاء و البراء و موقف المؤمنين من الطاغوت وأوليائه .. إلى غير ذلك مما سنعرض له من تفاصيل منهجية.