وأما (شغب) فقد كان لها مشاغباتها والكلمة العليا في قصر المعتضد وولي عهده المقتدر ، ويكفي للدلالة على ذلك ما زعموا من أن قهرمانتها تولت النظر في المظالم.
وأما (طروب) فقد حاولت مؤامرة لقتل زوجها عبد الرحمن بن الحكم لتدفع عن ابنها (عبد الله) منافسة أخيه (محمد) في خلافة أبيه، وقد اكتشف زوجها عبد الرحمن المؤامرة وتغابى عن فعل زوجته وظل محتفظا بإيثاره لها ودلها عليه لفرط حبه لها.
وهذه (صبح) زوجة الحكم المستنصر فقد فرضت ابنها (هشاما) لولاية العهد ولما يبلغ الحادية عشرة من عمره.
وهذه (الرميكية) زوجة ابن عباد تفتن زوجها بدلها وتصبيه بجمالها فينطلق في التغزل بها بشعر عذب رقيق، حتى فرش لها المسك والكافور معجونا بماء الورود فصنع لهل طينا لما اشتهت أن تعافس الطين كفلاحات رأتهن من نافذة القصر!! فصرفته عن أمور الدولة إلى لهو أغرى به ألفونسو السادس الملك الإسباني، فهم بالانقضاض عليه، لولا أن أنجده يوسف بن تاشفين زعيم المرابطين، فدفع عنه الأسبان ثم استولى على ملكه. ونفاه إلى المغرب الأقصى مع زوجته وأولاده ليقرض الشعر في سجن (أغماد) .
ولا ريب أن الأمهات الأجنبيات قد خلَّقن أبناءهن بأخلاقهن ورسخن فيهم تقاليدهن التي نشأن عليها ورفعن إلى سدة الحكم أبناء فيهم من لم يبلغ الحلم، وفيهم من عاش في نعيم القصور فغلب عليه اللهو والمجون، وتولى الحكم أعوان، من وزراء وقادة، فانقادوا لأطماعهم وأهوائهم وكانوا من أسباب انهيار الدولة. وصدق عمر رضي الله عنه.
فقد ورد في مصنف ابن أبي شيبة عن خرشة بن الحر قال: قال عمر:
(تهلك العرب حين يبلغ أبناء بنات فارس) . وكذلك جاء فيه عن عبد الله بن عمرو قال: (لم يزل أمر بني إسرائيل معتدلا حتى نشأ فيهم أبناء سبايا الأمم فقالوا فيهم بالرأي فضلوا وأضلوا) .