لم تقتصر المصادرة على أموال من يخلع من الخلفاء أو يعزل من الوزراء والعمال، بل شملت أموال الناس وخاصة التجار منهم، فكان الخليفة العباسي أو السلطان البويهي، إذا أعوزه المال أمر بمصادرة التجار.
كان القضاء هو الأداة التي تضمن سلامة المجتمع وأمنه بإشاعة العدل والمساواة بين أفراده. ويشترط في القاضي أن يكون عالما بأحكام الشرع، مراعيا مقاصده ومجتهدا فيه، وأن يكون عفيفا، غير طامع في مال ولا مغتر بجاه ولا مطيع لسلطان في غير ما أمر الله.
وكان القاضي يرتزق من بيت المال في حدود حاجته وقد يتورع فيقضي بغير أجر. ومن الفقهاء من كان يعتبر القضاء محنة وابتلاء فيأبى توليه مخافة أن يصدر في قضائه عن جور أو يلحق ظلما بأحد، فيبوء بخسران يقاضيه الله عليه. ففي حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: (قاض في الجنة وقاضيان في النار) فهو يخشى أن يكون أحد القاضيين.
وهذا أبو حنيفة يريده الخليفة المنصور العباسي على القضاء فيمتنع، فيأمر المنصور بضربه بالسياط، ثم يأمر بحبسه، وقيل إنه مات في الحبس. وهذا سفيان الثوري يكتب إليه الخليفة المهدي بولاية قضاء الكوفة على أن لا يتعرض أحد لحكم من أحكامه، فيأخذ العهد ويرميه في دجلة ثم يتوارى. ومثله إسماعيل بن إبراهيم الأسدي المعروف بابن علية. وعبد الله بن وهب وكثيرون غيرهم ممن تحرج من تولي القضاء فامتنع عن قبوله.
هكذا كان شأن القضاء فيما مضى حتى جاء العصر العباسي الثاني، فتأثر القضاء بفساد العصر وأصبح وسيلة للارتزاق!! وارتقى إليه من ليس من أهله. ففي عهد الخليفة المقتدر، ولى وزيره أبو الحسن بن الفرات القضاء تاجرا كان أسدى إليه معروفا.
ومضت فترة جرى فيها تضمين القضاء لقاء رشاوى ومبالغ ضخمة!!. ففي عام 350هـ ضمن السلطان معز الدولة البويهي قضاء بغداد لأبي عبد الله بن أبي الشوارب ومعه قضاء القضاة ، لقاء مائتي ألف درهم يدفعها كل سنة إلى خزانة السلطان.