ولذلك قال وهب بن منبه: (اتق الله ولا تسب الشيطان في العلانية وأنت صديقه في السر) أي أنت مطيع له وقال بعضهم: (يا عجبا لمن يعصى المحسن بعد معرفته بإحسانه ويطيع اللعين بعد معرفته بطغيانه) وكما أن الله تعالى قال: (ادعوني أستجب لكم) وأنت تدعوه ولا يستجيب لك ، فكذلك تذكر الله ولا يهرب الشيطان منك لفقد شروط الذكر والدعاء. قيل لإبراهيم بن أدهم ما بالنا ندعو فلا يستجاب لنا وقد قال تعالى: (ادعوني استجب لكم) قال: لأن قلوبكم ميتة قيل وما الذي أماتها قال ثمان خصال: عرفتم حق الله ولم تقوموا بحقه ، وقرأتم القرآن ولم تعملوا بحدوده ، وقلتم نحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم تعملوا بسنته ، وقلتم نخشى الموت ولم تستعدوا له ، وقال تعالى إن الشيطان لكم عدوا فاتخذوه عدوا فواطأتموه على المعاصي ، وقلتم نخاف النار وأرهقتم أبدانكم فيها ، وقلتم نحب الجنة ولم تعملوا لها، وإذا قمتم من فرشكم رميتم عيوبكم وراء ظهوركم وافترشتم عيوب الناس أمامكم، فأسخطتم ربكم فكيف يستجيب لكم.)
اعلم أن القلب كما ذكرناه تكتنفه الصفات التي ذكرناها وتنصب إليه الآثار والأحوال من الأبواب التي وصفناها فكأنه هدف يصاب على الدوام من كل جانب فإذا أصابه شيء يتأثر به أصابه من جانب آخر ما يضاده فتتغير صفته فإن نزل به الشيطان فدعاه إلى الهوى نزل به الملك وصرفه عنه وإن جذبه شيطان إلى شر جذبه شيطان آخر إلى غيره وإن جذبه ملك إلى خير جذبه آخر إلى غيره فتارة يكون متنازعا بين ملكين وتارة بين شيطانين وتارة بين ملك وشيطان لا يكون قط مهملا وإليه الإشارة بقوله تعالى: