وكان لأمهاتهم الفارسيات والتركيات والروميات والبربريات ... الكلمة العليا في اختيار أولياء العهد، فكانت صاحبة الدل على الخليفة تفرض ابنها ليخلف أباه وتلزمه بالعهد إليه، فيقوم بين الأبناء نزاع كان يؤدي إلى صراع دموي، كما حدث بين الأمين والمأمون، وكما جرى مع المتوكل، فقد عهد بالخلافة إلى ابنه محمد (المنتصر) وهو ابن أمة تدعي (حبشية) ، فزاحمتها أم محمد (المعتز) وهي مثلها أمة تدعى (صبيحة) ، فلقبوها (قبيحة) وجعلت المتوكل يعزم على تقديم ابنها في ولاية العهد على أخيه محمد (المنتصر) ، ولما علم هذا ما عزم عليه أبوه، ائتمر مع القادة الأتراك على قتله، فقتلوه.
وقد أدى تغلب العنصر الفارسي منذ أيام المأمون الذي كان أخواله من الفرس ، ثم التركي منذ أيان المعتصم الذي كان أخواله من الأتراك. كذلك تسربت التقاليد الفارسية إلى الحياة الاجتماعية، فظهرت الأزياء الفارسية في البلاط وتقرر في قصور الخلفاء ما كان متبعا من المراسم في قصور الفرس، واحتفل بالأعياد الفارسية كالمهرجان والنيروز ورام ، وغيرها من الأعياد الأخرى .. !.
وهكذا سيطر المولَّدون وبرز إمساكهم بزمام الدولة إلى انحسار العنصر العربي الخالص وارتداده إلى البادية التي خرج منها، وتوقفت فريضة جهاد الطلب ، وبها توقفت حدود الدولة الإسلامية عند النهايات التي بلغتها الدولة الأموية. ولم تعد تلك النخبة كما وصفها الله تعالى بقوله:
{كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} (آل عمران: 110) .