وقد كتب بعض المؤرخين والبحاثة العرب والمسلمين عددا من الكتب حول الإستشراق وعلاقته بالاستعمار وحركات التبشير وعلاقتها بالاستعمار، مما يندهش له المرء من ترابط هذه المواضيع الثلاثة ... وهكذا بدأ الغزو الفكري لبلادنا مع قدوم حملة نابليون (1789م) . وبدأ تغلغل الماسون في البلاد العربية والخلافة العثمانية. وبدأت رياح التغريب و الإستعمار الفكري تهب على بلادنا قبل الإستعمار الذي أتى بزخمه أواسط القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين .. وكان قد بدأ منذ القرن السادس عشر يقضم أطراف العالم الإسلامي.
وعلى منحى مواز للغزو الفكري دأبت طلائع الإستعمار على صناعة الصنائع الاستعمارية وإقامة علاقاتها بمختلف شرائح المجتمع ولاسيما قطاع أمرائه وعلمائه وهكذا تسللوا إلى الجملة العصبية للجسد الإسلامي الذي كان يرتمي مريضا يحتضر مع الخلافة العثمانية. فلما نضجت الطبخة الاستعمارية الكبرى. أعان الإستعمار على غزواته ما حققته أوربا مما أسلفنا من النهضة العلمية والثورة الصناعية والتطور في مجال السلاح ووسائل النقل السريعة .. وهكذا دهمنا الإستعمار وقد توفر له كل شيء وتساقطت بلاد المسلمين بأسهل مما تسقط العاصفة أوراقا صفرا لشجرة مريضة قد نخر السوس ساقها وتآكلت جذورها ودب العطب في كل مناحي حضارتها دينيا وفكريا وسياسيا وعلى كل صعيد ..
لقد أوصلتها السنن لأن يتحقق لنا ما أخبر به بن خلدون من قيام الممالك وزوالها واندثارها .. وهكذا شهدت الحضارة نقلتها الرابعة بحسب توينبي كما أسلفنا في الفصل السابق من الشرق الإسلامي إلى أوربا الغربية الصليبية ووريثتها أمريكا.