أقامت الحملات الصليبية الأولى في المشرق العربي زهاء مائتي سنة. مكنتهم من الاحتكاك عن قرب بالحضارة الإسلامية. ليس عسكريا فحسب. فقد كان هناك كثير من فترات الهدنة، كما قامت كثير من العلاقات التجارية بين الإمارات الصليبية والإسلامية من حولها. وتمكن كثير من الرحالة ورجال الدين الأوربيين أن يزوروا بلاد المسلمين ويطلعوا على البون الشاسع في التفكير والتطور والنظام السياسي والإقتصادي والحياة الاجتماعية والثقافية. كما تمكنوا من نقل كثير من المخطوطات والكتب حتى عد المؤرخون الأوربيون الحملات الصليبية من أسباب عصر النهضة في أوروبا ونهاية العصور الوسطى.
وفي أواخر أيام الحملات أدرك ملوك النصارى ألا سبيل لهم إلى البقاء. وبدؤوا يعيدون التفكير في طريقة غزوا المسلمين والتعامل معهم.
وفي الحملات الأخيرة على مصر (1249ميلادية) ، وقع (لويس التاسع) ملك فرنسا أسيرا مع آلاف من جنوده الصليبيين بيد المماليك ، وأودع السجن. وهناك كان لديه فسحة من التأمل ليضع أسس هامة لتفكير الصليبيين في كيفية غزو المسلمين. وكتب توجيهاته الهامة تلك والتي كان خلاصتها:
(إن المسلمين لا يهزمون ما دامت عقيدتهم قائمة ويجب أن تبدأ الحرب على المسلمين بحرب الكلمة)
ثم ما لبثت الحملات الصليبية الأولى أن انتهت كليا بسقوط عكا سنة (640هجرية - 1291ميلادية) .
وهكذا أدرك الغرب الصليبي أنه لا يمكن التغلب على المسلمين بالقهر والقوة العسكرية لأن ذلك يستفز لديهم بسبب المشاعر الدينية وطبيعة عقيدتهم كل أسباب المقاومة والقتال. وأن السبيل إلى ذلك هو غزوهم فكريا وتغيير طريقتهم في الاعتقاد والتفكير لتجفيف جذور قوتهم وقدرتهم على المقاومة ومن ثم يسهل الاستيلاء عليهم عسكريا.
الغزو الفكري للمسلمين ونتائجه العملية في الميدان السياسي: