وقد وقف الفقهاء من نظام الإرث في الخلافة موقف المسلم بالأمر الواقع ، من باب سد باب مزيد من الفتن ، فأجازوا للخليفة أن يعهد بالخلافة إلى ابنه أو إلى ابن أخيه، ثم أجازوا أن يعهد بالخلافة لعدد من أبنائه يتوارثونها على الترتيب الذي يقرره، كذلك قبلوا خلافة من ينال الخلافة بالغصب والسيف ، حتى لو كان فاجرا، لكيلا يبيت المسلمون بلا خليفة. وبذلك يدخل في باب الإجازة جميع الخلفاء والملوك والأمراء الذين شملتهم قاعدة الإرث ،أو التغلب. البر منهم والفاجر.
لما انتقل نظام الخلافة من قاعدة الشورى إلى نظام الإرث، وأصبحت البيعة رسما شكليا، تؤخذ بالرغبة أو الرهبة.
صار سلطان الملوك مطلقا لا رقيب عليه، يتصرف على هواه. وقد نشأ عن ذلك انحراف عن خطة الإسلام وتعطيل لجدوى فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
فلم يعد الأمر كما جاء في خطاب أبي بكر حين تولى الخلافة فقال:"أيها الناس، إني قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن رأيتموني على حق فأعينوني، وإن رأيتموني على باطل فسددوني. أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم. ألا إن أقواكم عندي الضعيف حتى أخذ الحق له، وأضعفكم عند القوي حتى آخذ الحق منه"
وقد ترتب على ممارسة الخليفة سلطانه المطلق نشوب هذا العدد الكبير من الثورات، وهكذا أدت ظاهرة الإحتجاج على الظلم والاستبداد، إلى إنهاك موارد الدولة وأضعفت قوتها.