فهرس الكتاب

الصفحة 427 من 2591

وقد وقف الفقهاء أمام مشاهد الاستبداد والظلم فريقين: فريق أراد الدنيا فدخل في دنيا الخلفاء ونال حظه منها، ومنهم من زين أفعالهم فازداد منهم قربا. وفريق أراد الآخرة وسعى لها فتنكب عنهم وصمت على مضض ، وأبى أن ينال عملا من ولاية أو قضاء، لكيلا يعمل في ظل حكم جائر فيسأل عنه ، ويعتبر عمله عنده شهادة حسن سلوك من العالم للحاكم أمام الرعية. وهي من أسوأ شهادات الزور العملية. ومن هؤلاء الإمام أبو حنيفة والإمام أحمد وسفيان الثوري وعبد الله بن إدريس وعبد الله بن وهب و وكيع بن الجراح وطاووس و الأوزاعي ، ومحمد بن أسلم الطوسي ، وسعيد بن المسيب ، وسعيد بن جبير، ... كثيرون غيرهم ، في حين أخذ البعض بعزيمة الأمر والنهي العملي ، فخرج يقارع الطغيان كما حصل من الإمام الحسين رضي الله عنه ، وكما حصل من القراء الذين خرجوا على الحجاج ، وكما حصل من أحمد بن نصر الخزاعي في عهد الواثق العباسي ... ، ولما لم تؤدي كل تلك المحاولات إلى إزالة الظلم لأسباب يطول شرحها. وصار قصارى موقف الصالحين اعتزال القصور وحكامها ، والصدع بالحق ، أو الاعتزال عنهم إيثارا لسلامة الدين.

ويلحق بهذا الفريق من تزهد وتصوف وأعرض عن الدنيا واعتزل أهلها وانصرف إلى عبادة الله والتأمل في ملكوته، فصفت نفسه ورقت وأمتعته بلذة روحانية لا تعدلها لذة الحياة المادية. وبهذا الفريق بدأ عهد التصوف كظاهرة رفض للحياة المترفة واحتجاجا على شيوع الظلم والاستبداد.

وقد اشتدت ظاهرة الظلم في العصر العباسي الثاني وتضاعفت مع مضاعفة السلطة بين الخلفاء والمتغلبين. فقد أضيفت إلى وسائل القتل و السمل والنفخ و الفصد وقطع الأعضاء والحبس في المطامير والتوسيط، والموت عطشا وجوعا والطرح تحت أقدام الفيلة والإلقاء في حظيرة السباع. فكان الخليفة أو القائد المتغلب يختار لمن يقتله الميتة بإحدى هذه الوسائل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت