فقد أحدثت هذه الحياة الطارئة، تراخيا في الأخلاق الإسلامية، وأصبح اللهو والمجون والعبث من سمات كثير من أهل ذلك العصر، وتطنب كتب التاريخ بأخبار ما عجت به قصور الخلفاء والكبراء من قصص تكاد تقرب من الخيال مما يطول ذكره ، ولا داعي للإفاضة فيه هنا. وأظن أن كثيرا من تلك الأقاصيص كانت من نسج خيال الوضاعين والأدباء و القصاصين .. ولكن الحقيقة أن لكل تلك التهويلات أصلا ..
وكان ذلك الترف وما ذكرنا من أسباب التقهقر المعول الذي قد جذور الخلافة الإسلامية ، لتصبح في العصر العباسي التالي منصبا يعبث به القادة والمماليك.
ويمتد من خلافة المستنصر الذي قتل أباه المتوكل بالتآمر مع القادة الأتراك ، إلى خلافة المقتدي بالله الذي شهدت خلافته بداية الحملات الصليبية على سواحل الشام ، وبداية تحرك التتار في شرق الخلافة على تخوم بلاد ما وراء النهر.
-السمات التي يتميز بها العصر العباسي الثاني:
أولا - تغلب القادة المتغلبين على الخلافة:
يعتبر إقدام القادة الأتراك على قتل الخليفة المتوكل على الله في الخامس عشر من شهر شوال سنة 247هـ، بداية العصر العباسي الثاني، وفيه استبد القادة بالسلطة، وأصبح الخليفة طوع إرادتهم وأسير هواهم. وقد أصبح مصير الخلافة في أيديهم، فمن شاءوا خلعوه ثم قتلوه، ومن شاءوا ألزموه خلع نفسه و سملوه وصادروا أمواله. وحين خلع الخليفة أحمد المستعين بالله، وهو أول خليفة خلع، لم يلبث أن قتل بعد خلعه.
ولما استولى البويهيون على السلطة بعد الأتراك، اتبعوا نهجهم، فكان الأمير البويهي يولي الخلافة من يشاء ويخلع من يشاء وكان الخلع كثيرا ما يتم بالذل والهوان.